القديس اكليمندس الإسكندري عن الثقة والإيمان

اقوال الآباء - القديس اكليمندس الإسكندري عن الثقة والإيمان

اقوال الآباء - القديس اكليمندس الإسكندري عن الثقة والإيمان

الق على الرب همك فهو يعولك

لا يدع الصديق يتزعزع الى الابد
مز 55: 22


Cast your burden on the LORD,
and He shall sustain you;
He shall never permit
the righteous to be moved.
Ps. 55: 22


الثقة فيه هي درجة أكبر من الإيمان
فإنه إذ يؤمن إنسان أن ابن الله هو معلمنا
يثق أن تعاليمه هي الحق. وكما أن التعليم... ينمي العقل
هكذا أيضا الايمان ينمو بالثقة في الرب

القديس اكليمندس الإسكندري


For trusting is more than faith.
For when one has believed
that the Son of God is our teacher,
he trusts that his teaching is true.
And as "instruction... makes the mind grow",
so trust in the Lord makes faith grow.

St. Clement of Alexandria



تفسير انجيل متى 16 - القمص تادرس يعقوب ملطى

تفسير انجيل متى 16 - القمص تادرس يعقوب ملطى
بناء الملكوت المسيحاني

لكي يقوم الملكوت المسيحاني كبناءٍ شامخٍ يبلغ السماوات يلزم حفر أساسات عميقة بهدم مملكة الظلمة لإقامة مفاهيم جديدة. بمعنى آخر يلزم أولاً هدم الإنسان القديم ليقوم الإنسان الجديد، خلال صليب ربّنا يسوع المسيح وقيامته. وقد ركّز الإنجيلي هنا على هدم "الرياء" كأساس الإنسان العتيق وقيام "الإيمان" كأساس الإنسان الجديد، أمّا تكلفة هذا العمل فهو الصلب

1. اتفاق الفرّيسيّين والصدّوقيّين ضدّه. الفريسيون والصدوقيون يجربون الرب يسوع المسيح 1-4
2. هدم الرياء محطِّم الملكوت. السيد المسيح يحذر من التعاليم الخاطئة للفريسيين 5-12
3. قيام الإيمان كأساس الملكوت. يسوع هو المسيح ابن الله الحي 13-20
4. الصلب تكلفة الملكوت. الرب يسوع المسيح ينبئ بآلامه وموته وقيامته 21-23
5. دورنا الإيجابي في الملكوت 24-26
6. الملكوت الأخروي 27-28

1. اتفاق الفرّيسيّين والصدوقين ضدّه. الفريسيون والصدوقيون يجربون الرب يسوع المسيح

"وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالصَّدُّوقِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ" متى 16: 1

لقد اتفق المتعارضون فكريًا معًا ضدّ السيّد المسيح، إذ لا تقبل مملكة الظلمة النور، ولا يطيق الباطل الحق حتى وإن تضارب الباطل فيما بينه. لقد اتَّفقوا معًا على تجربته، سائلين إيّاه أن يريهم آية من السماء. طلبوا علامة ظاهرة في الطبيعة، ولم يدركوا أن هذه الآيات والعلامات تسبق مجيئه الأخير للدينونة، علامة انحلال العالم وقوّات الشرّ قدامه لإقامة العالم الجديد، أي ملكوته الأبدي. أمّا الآن فقد جاء ليخلّص لا ليدين، جاء ليقدّم علاماته وآياته في حياة الناس لأجل توبتهم وتغيير طبيعتهم الداخليّة. جاء ليُعلن تحنّنه على البشريّة وترفُّقه بنا لا ليستعرض قوّته وسلطانه

في تعامله مع فرعون ليدينه قدّم له مثل هذه العلامات الخاصة بالطبيعة ليُرهبه، أمّا مع الأصدقاء فلا حاجة لمثلها. لقد قدّم لهم الخلاص الذي تحقّق رمزيًا في يونان النبي، إذ أجاب مجرِّبيه، قائلاً لهم: "إذا كان المساء قلتم صحو، لأن السماء مُحمَرّة . وفي الصباح اليوم شتاء، لأن السماء مُحمَرَّة بعبوسة. يا مراؤون تعرفون أن تميّزوا وجه السماء، وأما علامات الأزمنة فلا تستطيعون. جيل شرّير فاسق يلتمس آية، ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي، ثم تركهم ومضى" متى 16: 2-4

فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ:«إِذَا كَانَ الْمَسَاءُ قُلْتُمْ: صَحْوٌ لأَنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ. متى 16: 2
وَفِي الصَّبَاحِ: الْيَوْمَ شِتَاءٌ لأَنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ بِعُبُوسَةٍ. يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ السَّمَاءِ، وَأَمَّا عَلاَمَاتُ الأَزْمِنَةِ فَلاَ تَسْتَطِيعُونَ! متى 16: 3
جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ». ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَمَضَى. متى 16: 4

لقد وهب الله الإنسان عقلاً يفكّر به ليميّز الأمور، فيستطيع أن يتعرّف على حالة الجو خلال العلامات الظاهرة في السماء، لكن للأسف لم يستخدم الفرّيسيّون والصدّوقيّون هذه العطيّة الإلهيّة لحساب ملكوت الله، مع أن بين أيديهم نبوّات الأنبياء تُعلن بوضوح عن شخص السيّد المسيح وأعماله الخلاصيّة. إنهم يقولون أن المساء صحو، لأن السماء مُحمَرة، وقد جاء مساء العالم، ملء الأزمنة، ليبذل الرب دمه لخلاصنا فرفضوه ولم يقولوا أن الوقت صحو، أي وقت مقبول لرجوعهم إليه والتمتّع بأعماله الخلاصيّة. وقد اقترب صباح الأبديّة ولم يدركوا أنهم في شتاء (برودة) الروح يفقدون الإكليل السماوي، وشركة الأمجاد الإلهيّة. صاروا يميّزون وجه السماء ماديًا، ولا يدركون أسرار الملكوت الروحي، فيبقى يونان النبي وغيره من الأنبياء شهود حق ضدّهم

2. هدْم الرياء محطِّم الملكوت. السيد المسيح يحذر من التعاليم الخاطئة للفريسيين

إن كان السيّد المسيح يُقيم ملكوته السماوي فينا، فإن هذا البناء الإنجيلي يحتاج أولاً إلى هدم المفاهيم الخاطئة لوضع أساس روحي جديد. بدون هدم رياء الفرّيسيّين والصدّوقيّين لا يمكن التمتّع بالإيمان الحيّ الخاص بالملكوت، وبدون تحطيم الإنسان القديم لا يمكن إقامة الإنسان الجديد

يروي لنا الإنجيلي لقاءً تمّ بين السيّد المسيح وتلاميذه، نستطيع أن نقول أنه أشبه بمجمع كنسي يضم الرعاة وقد حلّ السيّد في وسطهم ليُعلن لهم أسرار ملكوته، فيما يلي تفاصيله:

"وَلَمَّا جَاءَ تَلاَمِيذُهُ إِلَى الْعَبْرِ نَسُوا أَنْ يَأْخُذُوا خُبْزًا" متى 16: 5

لقد انجذب التلاميذ إلى السيّد المسيح؛ فانطلقوا إلى العَبْر الآخر كما إلى الحياة الأخرى، ليعيشوا بفكرٍ سماويٍ، تاركين كل شيء، حتى الضروريّات، إذ نسوا أن يأخذوا خبزًا

وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«انْظُرُوا، وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ». متى 16: 6
فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ:«إِنَّنَا لَمْ نَأْخُذْ خُبْزًا». متى 16: 7
فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ أَنَّكُمْ لَمْ تَأْخُذُوا خُبْزًا؟ متى 16: 8
أَحَتَّى الآنَ لاَ تَفْهَمُونَ؟ وَلاَ تَذْكُرُونَ خَمْسَ خُبْزَاتِ الْخَمْسَةِ الآلاَفِ وَكَمْ قُفَّةً أَخَذْتُمْ؟ متى 16: 9
وَلاَ سَبْعَ خُبْزَاتِ الأَرْبَعَةِ الآلاَفِ وَكَمْ سَّلاً أَخَذْتُمْ؟ متى 16: 10
كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ أَنِّي لَيْسَ عَنِ الْخُبْزِ قُلْتُ لَكُمْ أَنْ تَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ؟» متى 16: 11
حِينَئِذٍ فَهِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْخُبْزِ، بَلْ مِنْ تَعْلِيمِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ. متى 16: 12

حيث يجتمع الرعاة معًا في المسيح يسوع ربنا، يقوم السيّد نفسه بقيادتهم وتوجيههم، من الجانب السلبي والإيجابي، فيُحذّرهم من الرياء كما يكشف لهم أسرار الآب

فمن الجانب السلبي سألهم أن يتحرّزوا من خمير الفرّيسيّين والصدّوقيّين، وللأسف انسحب فكرهم إلى "الخمير" أو الخبز بالمفهوم المادي، بل ويبدو أنهم ارتبكوا جدًا بسبب عدم وجود طعام، فوبّخهم السيد، مذكّرًا إيّاهم بمعجزتي إشباع الجموع. بهذا عالج السيّد ضعفًا جديدًا في حياتهم، ألا وهو الارتباك بالأمور الماديّة والاحتياجات الزمنيّة

في اختصار نقول أن السيّد عالج الجانب السلبي من ناحيتين: الأولي هي الهروب من الرياء "خمير الفرّيسيّين"، والثانية هي عدم الارتباك في التدابير الماديّة خاصة متى اجتمع بزملائه الرعاة في شخص السيّد المسيح، هذان المرضان للأسف يصيبان الكثير من اجتماعات الرعاة الكنسيّين

لقد حذّرهم من خطيّة الرياء بكونها أخطر عدوّ للملكوت، لأن الخطايا الظاهرة يُمكن تداركها والتوبة عنها، أمّا الرياء فيتسلّل إلى حياة القادة الروحيّين والخدّام والمتعبّدين، لا ليشغلهم عن الخدمة والعبادة، وإنما ليُشعل فيهم الشوق نحو الخدمة والعبادة دون الالتقاء مع السيّد المسيح نفسه، فيرتفع الإنسان بذاتيّته وأنانيّته تحت ستار الدين والخدمة ويظهر البناء شاهقًا بلا أساس ليسقط هاويًا

يشبّه القدّيس يوحنا الذهبي الفم الرياء باللص الذي يتسلّل خفية إلى صفوف المتعبّدين. رعاة ورعيّة، يسرق قلوبهم خلسة دون أن يكتشفوه. ويقول القدّيس أمبروسيوس: يقدّم لنا ربّنا تأكيدًا قويًا على ضرورة حفظ البساطة مع غيرة الإيمان، فلا نكون كاليهود غير المؤمنين الذين يمارسون أمرًا ما ويتظاهرون في كلماتهم بالغيرة أو بغيره

أما عن تشبيه الرياء بالخميرة فيقولالقدّيس غريغوريوس النزينزي: عندما تُمتدح الخميرة إنّما لأنها تخص خبز الحياة، وعندما تُذم إنّما لأنها تُشير إلى المكر المرّ الذي يستقر~ فيمن يعتاد عليه

هذا بخصوص الرياء، أمّا الجانب السلبي الآخر فهو تحذيرهم من الارتباك في التدابير الماديّة والتنظيمات أثناء اجتماع الرعاة، عِوض أن يكون "المسيح" نفسه غايتهم. فقد انشغل التلاميذ وارتبكوا بالخبز ولم يدركوا أن الحال في وسطهم هو المسيح "الخبز الحيّ" المشبع للكل!

لقد ترك التلاميذ خدمة الموائد للشمامسة (أع 7) المملوءين بالروح القدس وشهود الحق لكي يتفرّغوا هم لخدمة الكلمة! حقًا ليست هناك ثنائيّة بين كلمة الكرازة وأعمال الحب وخدمة الفقراء وتدبير أمور الكنيسة، لكن من أجل تفرّغ كل عضو في الكنيسة للعمل اللائق به يلزم على الرعاة الروحيّين ألا ينشغلوا بخدمة الموائد، ليس تحقيرًا لها، وإنما من أجل التخصّص. فكما أن العين تنظر لحساب الجسد كلّه لكنها لا تسمع بذاتها إنّما خلال الأذن، هكذا يمثّل العمل الكنسي وحدة متكاملة معًا، كما لأعضاء كثيرة في جسدٍ واحدٍ يعمل معًا، كل في تخصّصه

نعود إلى حديث السيّد مع تلاميذه لنلاحظ أنه إذ أراد توجيههم لم يُحذّرهم أمام الجماهير، حتى لا يجرح مشاعرهم، بل تحدّث معهم على انفراد، مقدّمًا لهم صورة حيّة عن الأبوّة الروحيّة التي تترفّق حتى عندما تُحذِّر وتُنذِر

3. قيام الإيمان كأساس الملكوت. يسوع هو المسيح ابن الله الحي

بعد أن أعلن السيّد المسيح ﺇلتزام التلاميذ بهدم الرياء وعدم اﻹرتباك بالأمور الزمنيّة، قدّم لهم الجانب الإيجابي الذي يقوم عليه التعليم الإنجيلي أو بناء الملكوت، ألا وهو "الإيمان"، وذلك من خلال لقاء جديد مع تلاميذه، وكأنه اجتماع رعوي جديد. في هذا الاجتماع سأل تلاميذه قائلاً: «مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟» متى 16: 13

بهذا السؤال أبرز السيّد جانبًا هامًا في إيماننا به بدعوته "ابن اﻹنسان" تأكيدًا لتأنُّسه. فإن كان الآب يُعلن لبطرس الرسول أنه ابن الله الحيّ مؤكدًا لاهوته، فإن الابن نفسه يؤكّد ناسوته. كأن إيماننا به إنّما يقوم على "تأنسه"... فبالتجسّد الإلهي تقدّم ﺇبن الله كرأس للكنيسة ملكوت الله على الأرض، وباتّحادنا مع ﺇبن الله المتأنّس ندخل – خلال مياه المعمودية - ﺇلى العضويّة في هذا الملكوت الروحي الجديد، ننعم بصورة خالقنا ونتمتّع بحياته فينا، فنحمله داخلنا كسرّ حياة أبديّة

سألهم السيد: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟" متى 16: 13، وإذ هم من الناس لم يستطيعوا من ذواتهم أن يدركوا سرّ لاهوته، وأمام دهشتهم لتصرُّفاته قال «قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ» متى 16: 14. حقًا إن الحاجة إلى الله نفسه لكي يُعلن لنا سرّ المسيح

عاد السيّد يسألهم: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» متى 16: 15. ويرى القدّيس جيروم في قول السيّد "وأنتم..." بعد قوله "من يقول الناس..."، أن التلاميذ لم يعودوا بعد من الناس، لكنهم صاروا به آلهة، قائلاً: كأنه يقول لهم أنهم كبشر قد فكّروا في أمور بشريّة، وأنتم كآلهة من تقولون إني أنا؟

ﺇن سؤال السيّد لتلاميذه لم يكن اِستفسارًا ولا لكي يَعلم ما في قلوبهم، وإنما ليعطيهم الفرصة لنزع الأفكار البشريّة الخاطئة، وقبول الإعلان الإلهي؛ وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: أنه كان يهيّئ تلاميذه لآلامه حتى لا يتشكّكوا فيه

إذ قدّم السيّد لهم السؤال، فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ:«أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!». متى 16: 16
فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. متى 16: 17
إيماننا بالمسيّا الملك، ابن الله المتأنّس، ليس فكرة فلسفيّة نعشقها، ولا هو وليد إيمان عقلاني نتقبّله من لحم ودم، إنّما هو إعلان إلهي يشرق به الآب بروحه القدّوس على شعبه خلال الرسل والتلاميذ، فتسلّمته الكنيسة كإعلان إلهي رسولي، كوديعة تَقدِمه من جيلٍ إلى جيلٍ، ليس كتسليمٍ بشري إنّما هو تسليم إلهي، يشرق به الله في قلوب المؤمنين خلالها. إنه عمل إلهي في داخل القلب قادر أن يربط النفس بملكها، فنعيش الحياة الملكوتيّة السماويّة. وما تمّ لبطرس الرسول يتحقّق مع كل عضو في كنيسة المسيح المقدّسة وإن كان بطرق مختلفة، خلال الكاهن أو كلمة وعظ أو كلمة مكتوبة، لكن المعلن الخفي هو الله نفسه، الذي يعمل في القلوب لإعلان الإيمان فيها

وفيما يلي بعض تعليقات الآباء على هذه العبارة

ما لم يستطع اللحم والدم أن يعلنه، تعلنه نعمة الروح القدس. لهذا السبب تقبّل (سمعان بطرس) اسمًا يعني أنه قد تسلّم إعلانًا من الروح القدس. لأن "ابن يونا" في لساننا يعني "ﺇبن الحمامة"، وإن كان البعض يفهمها ببساطة أن سمعان الملقب بطرس هو "ﺇبن يوحنا" معتبرين أن الاسم "ﺇبن يونا" ﺇنّما قصد به "يوحنا"... وكلمة "يوحنا" تعني نعمة الله. بهذا فإن اﻹسم يفسر سرّيًا بالحمامة أي الروح القدس أو نعمة الله أي عطيّة الروح
القدّيس جيروم

طوبى لذاك الذي يُمدَح لإدراكه وفهمه الذي فوق الرؤيا بالعيون البشريّة، فلا يتطلّع إلى ما هو من الجسد واللحم، إنّما ينظر ابن الله خلال الإعلان له من الآب السماوي. لقد صار مستحقًاً أن يكون أول من اعترف بلاهوت المسيح
القدّيس هيلاري أسقف بواتييه

انظر كيف يُعلن الآب عن الابن، والابن عن الآب. فإنّنا لا نتعلّم عن الابن سوى من الآب. هنا يُعلن لنا أن الابن واحد مع الآب ومساوٍ له، مسجود له معه
القدّيس يوحنا الذهبي الفم

آمِن إذن كما آمَنَ بطرس لتُطوَّب أنت أيضًا، وتستحق سماع الكلمات: إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. فاللحم والدم لا يقبلان إلا الأرضيّات، وعلى العكس من يتحدّث عن الأسرار بالروح فلا يعتمد على تعاليم اللحم والدم، وإنما على الإعلان الإلهي. لا تعتمد على اللحم والدم لتأخذ منهما أوامرك، فتصير أنت نفسك لحمًا ودمًا، وأما من يلتصق بالروح فهو روح واحد. وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ. رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 6: 17
القدّيس أمبروسيوس

يكمّل السيّد حديثه مع القدّيس بطرس: وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. متى 16: 18

كلمة "بطرس" مشتقّة عن اليونانيّة "بترا" أي صخرة، فقد أقام السيّد كنيسته التي هي ملكوته على الصخرة التي هي الإيمان بالسيّد المسيح المعلن للقدّيس بطرس. الإيمان بالمسيّا هو الأساس الذي يقوم عليه بناء الملكوت المرتفع حتى السماوات عينها. بالتجسّد الإلهي تقدّم ابن الله الحيّ كحجر زاوية يسند البناء كلّه فلا تقدر الزوابع أن تحطّمه ولا العواصف أن تهز حجرًا واحدًا منه

إنه لم يقل له أنت صخرة بل أنت بطرس، فإن الصخرة كانت المسيح. وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ. رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 10: 4، التي اعترف بها سمعان كما لو اعترفت الكنيسة كلها، لذلك دُعى "بطرس". القدّيس أغسطينوس

لقد عنى بهذا: أنه على هذا الإيمان وعلى هذا الاعتراف ابني كنيستي. لقد أظهر بهذا أن كثيرين يؤمنون بما ﺇعترَف به بطرس، كما أنه بهذا رفع من روحه وجعله راعيًا
القدّيس يوحنا الذهبي الفم

كما أنه هو النور ويهب تلاميذه أن يدعوا "نور العالم"، كذلك نالوا الأسماء الأخرى من الرب. لقد أعطى لسمعان الذي آمن بالمسيح الصخرة أن يُدعى بطرس "الصخرة". القدّيس جيروم

من يتمثل بالمسيح فهو صخرة. العلاّمة أوريجينوس

عظيمة هي محبّة المسيح الذي أعطى كل ألقابه لتلاميذه، فيقول: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ» يوحنا 8: 12 ومع ذلك يعطي من طبعه لتلاميذه قائلاً: أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ متى 5: 14. يقول "أنا هو الخبز الحيّ" يوحنا 6: 35، ونحن جميعًا خبز واحد "فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ" رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 10: 17. يقول: "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" يوحنا 15: 1، ويقول لك: "وَأَنَا قَدْ غَرَسْتُكِ كَرْمَةَ سُورَقَ، زَرْعَ حَقّ كُلَّهَا" ﺇرميا 2: 21

المسيح هو الصخرة: "كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ" رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 10: 4، ولم يحرم تلميذه من هذا الاسم، فهو أيضًا صخرة، إذ تكون لك صلابة الصخر الراسخ وثبات الإيمان. اجتهد أن تكون أنت أيضًا صخرة، فلا يبحثون عن الصخرة خارجًا عنك وإنما في داخلك

صخرتك هي عملك، وهي روحك، وعليها تبني بيتك فلا يقدر عاصف من عواصف الروح الشرّير أن يسقطه

صخرتك هي الإيمان الذي هو أساس الكنيسة، فإن كنتَ صخرة تكون كنيسة، وإن كنتَ في الكنيسة فأبواب الجحيم لن تقدر عليك، هذه التي هي أبواب الموت. القدّيس أمبروسيوس

وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ. متى 16: 19

إن كان ملكوت السماوات هو عمل إلهي يعلنه الآب في قلوبنا بالروح القدس في ابنه، فقد قدّم مفاتيح هذا الملكوت بين يديّ الكنيسة، لا لتسيطر، وإنما لتخدم البشريّة. لقد تسلّمت السلطان لا لتعمل بذاتها بل بالروح القدس الساكن فيها. فتشترك العروس في عمل العريس نفسه، لتنال كرامة الشركة معه على أن تتم إرادته الإلهيّة في سلوكها

مفتاح الملكوت في الحقيقة هو في ملكيّة ابن داود نفسه الذي يفتح ولا أحد يُغلق، ويُغلق ولا أحد يفتح، فإن كان السيّد قد وهب كنيسته هذا المفتاح الإلهي إنّما يأتمنها عليه ويبقى هو العامل سرّيًا في داخلها، يعرف من يستحق فيفتح له خلالها ومن يتركه خارجًا يغلق عليه

لو أن هذا قيل لبطرس وحده لما حمل أي أساس لعمل خاص بالكنيسة. القدّيس أغسطينوس

لذلك خلال تغيير الأزمنة وتتابعها يفيض نظام الأساقفة تباعًا في تدبير الكنيسة (بالسلطان الذي أعطى لهم). القدّيس كبريانوس

ليت الذي يربط غيره أو يحلُّه أن يكون هو نفسه بلا لوم، فيوجد مستحقًا أن يربط أو يحلّ في السماء. من يقدر أن يغلق أبواب الجحيم بفضائله تُعطى له مفاتيح ملكوت السماوات كمكافأة. فإنه إذ يبدأ إنسان في ممارسة كل نوع من الفضيلة يكون كمن يفتح لنفسه أبواب السماء، إذ يفتحها الرب بنفسه، فتكون الفضيلة عينها هي باب السماء ومفتاحه. كل فضيلة إنّما هي ملكوت السموات
العلاّمة أوريجينوس

الأساقفة والكهنة الذين لا يفهمون هذا الأمر (فيحكمون بلا تمييز) يأخذون لأنفسهم نوعًا من كبرياء الفرّيسيّين حتى يظنّون أنهم يقدرون أن يدينوا الأبرياء ويغفروا للمجرمين؛ لكن الله لا ينظر إلى حكم الكهنة وإنما إلى حياة الذين يُدانون
القدّيس جيروم

4. الصلب تكلفة الملكوت. الرب يسوع المسيح ينبئ بآلامه وموته وقيامته

مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. متى 16: 21
إذ أعلن السيّد ملكوته بكونه هدمًا وبناءً، اِقتلاعًا وغرسًا، فيه يُهدم الإنسان القديم بأعماله لكي يقوم الإنسان الجديد؛ فإن تكلفة هذا الملكوت هو "الصلب". لقد بدأ السيّد يتحدّث علانيّة مع تلاميذه عن التزامه بحبّه الإلهي أن يذهب إلى أورشليم، ليحُفظ هناك كفصحٍ حقيقيٍ يُقدَّم عن البشريّة كلها، فيهدم الخطيّة بمملكتها ويُقيم ملكوته بقيامته! بصليبه دان الخطيّة في جسده، هذا الذي لم يعرف خطيّة صار خطيّة من أجلنا، لكي يحطِّم مملكتها ويبدّد سلطانها، فنقوم فيه مقدّسين بدمه، أعضاء جسده المقدّس، أبناء الملكوت الجديد

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على ذلك معلنًا إمكانيّة علامة الصليب في إقامة الملكوت بالقول: كما أنها حطَّمت أبواب الجحيم وفتحت أبواب السماوات وقدّمت مدخلاً جديدًا للفردوس وهدمت حصون الشيّاطين، فلا عجب إن تغلَّبت أيضًا على المواد السامة والحيوانات الكاسرة، وما شابهها

لم يكن ممكنًا للقدّيس بطرس في ذلك الحين أن يدرك الملكوت الداخلي، وبالتالي أن يتفَّهم "سرّ الصليب" لهذا يقول الإنجيلي: فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً:«حَاشَاكَ يَارَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!» متى 16: 22
فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ:«اذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ». متى 16: 23
لقد ظنّ الرسول بطرس أنه إذ ينتهر السيّد رافضًا إهانته وآلامه يُعلن بذلك حبّه له. لكنّه فوجئ بالسيّد ينتهره: اذهب عنّي يا شيطان. بطرس الرسول الذي تقبَّل إعلان الآب عن لاهوت الابن فصار إيمانه الصخرة التي تقوم عليها الكنيسة، وحُسب أهلاً أن يتمتّع مع التلاميذ بمفاتيح الملكوت، إذ رفض الصليب دعاه السيّد "شيطاناً"، "معثرة لي"، و"مهتمّا بما للناس لا بما لله". لقد جاء السيّد يُقيم مملكته خلال صليبه، فمن يرفض الصليب يرفض الفكر الإلهي، ويصير معثرة مهتمّا بالأمور الظاهرة، التي تفرِّح قلب الناس لا الله. فالصليب هو العمل الإلهي الذي شغل فكر الله منذ الأزل لأجل خلاصنا، بدونه يتعثّر الدخول إلى المملكة الإلهيّة، ويتحوّل الملكوت الإلهي إلى ملكوت بشري

5. دورنا الإيجابي في الملكوت

إن كان السيّد قد دفع تكلفة الملكوت على الصليب، فإنّنا لا ننعم بهذا الملكوت ولا ننمو فيه ما لم نشترك إيجابيًا فيه بحمل الصليب مع عريس الملكوت المصلوب. لهذا يكمّل السيّد حديثه مع تلاميذه عن صلبه بالتزامهم بحمل الصليب، إذ يقول الإنجيلي: حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ:«إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي، متى 16: 24

وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: أن السيّد المسيح بهذا قد وبّخ القدّيس بطرس الذي انتهره عن حمل الصليب، كأنه يقول لبطرس: أنت تنتهرني لأني أريد أن أتألّم، لكنّني أخبرك بأنه ليس فقط من الخطأ أن تمنعني عن الآلام، وإنما أقول لك أنك لن تقدر أن تخلُص ما لم تمُت أنت أيضًا

إن كان ملكوت السموات هو التبعيّة للمسيّا الملك، فإنه لا يقدر أحد أن يقبل هذه التبعيّة ما لم يدخل دائرة الصليب، ويحمل سمات الملك نفسه، أي الصليب. يلتزم أن ينكر نفسه أو يجحدها أو يكْفر بها، فتُصلب ذاته على الصليب، لا ليعيش في ضعف وضيق بلا أحاسيس أو مشاعر أو إرادة، وإنما وهو يدخل بالروح القدس إلى صليب السيّد يموت عن ذاته، ليحمل السيّد نفسه في داخله. تختفي الإرادة البشريّة الضعيفة، لا ليعيش بلا إرادة، إنّما تحلّ إرادة المسيح الحكيمة والقادرة لتعمل فيه. ولا ليعيش بلا أحاسيس أو عواطف إنّما وهو يموت عن هذه جميعها يتقبّلها جديدة من يديّ الآب بالروح القدس، فتكون له أحاسيس السيّد المسيح نفسه ورقَّته ووداعته وحنوُّه، ليحيا حاملاً سمات المسيح متجلِّية فيه. هذا هو مفهوم الصليب أنه يحمل خسارة، لكن في الحقيقة هو مكسب، وفيما يبيع المسيحي كل شيء يقتني ما هو أعظم. لذلك يقول السيد: فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا. متى 16: 25
لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ متى 16: 26

هذا هو الطريق الملوكي الحق الذي فيه يحتمل كل تعب، حتى هلاك حياته الزمنيّة، ليجد نفسه متمتّعا بما هو فائق للحياة، وفيما هو يترك العالم يقتني ما هو أعظم... إنه أخذ مستمر خلال الترْك والتخلِّي! لذلك كتب القدّيس أغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى أهل روما هكذا: ماذا تفيدني ملذّات العالم؟ ما لي وفتنة ممالك هذا العالم؟ إني أُفضِّل أن أموت مع المسيح من أن أملك أطراف المسكونة، إني أطلب المسيح الذي مات من أجلنا، وقام أيضًا من أجلنا. قد قربت الساعة التي سأُولد فيها، اغفروا لي يا إخوتي، دعوني أحيا، اُتركوني أموت. إني أريد أن أكون لله. لا تتركوني في العالم، لا تتركوني ومغريات الأرض. دعوني أبْلغ إلى النور النقي

ماذا يعني إنكار الإنسان نفسه؟

ينكر الإنسان ذاته عندما لا يهتمّ بجسده متى جُلد أو احتمل آلامًا مشابهة، إنّما يحتملها بصبر
القدّيس يوحنا الذهبي الفم

إذ يحب أحد الله يبغض ذاته أي إنساننا الجسداني... ففي داخلنا وفي أفكارنا وقلوبنا وإرادتنا قوّة غير عادية تعمل دائمًا كل يوم وفي كل لحظة لتسحبنا من الله؛ تقترح علينا أفكارًا ورغبات واهتمامات ونيّات ومشاغل وكلمات، وأعمال باطلة تثير فينا الشهوات وتدفعها بعنف فينا؛ أقصد المكر والحسد والطمع والكبرياء والمجد الباطل والكسل والعصيان والعناد والخداع والغضب
الأب يوحنا من كرونستادت

6. الملكوت الأخروي

يختم السيّد حديثه عن بناء ملكوت السماوات كحياة داخليّة نعيشها هنا بالإعلان عنه كملكوت أُخروي أبدي، هو في حقيقته ليس غريبًا عن الملكوت الداخلي بل اِمتداد له. فما نعيشه الآن في المسيح يسوع خلال الإيمان ننعم به في كمال المجد خلال القيامة أخرويًا، إذ يقول: فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. متى 16: 27

الحياة الملكوتيّة التي نعيشها هنا وننعم بها ما هي إلا عربون للحياة الخالدة الممتدّة فوق حدود الزمن حين يظهر السيّد المسيح الملك مع ملائكته ليجازي كل واحد حسب عمله. إن كان الإيمان هو أساس الملكوت إلا أنه يلزم أن يكون "عمليًا" حتى يقدّم لنا السيّد الأكاليل الأبديّة مجازيًا "كل واحد حسب عمله"

وإذ أراد أن يدخل بتلاميذه إلى هذا الملكوت بطريقة ملموسة سمح لثلاثة من تلاميذه أن ينعموا بتجلّيه، ليختبروا لحظات من الحياة الملكوتيّة الأخرويّة، إذ يقول: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ. متى 16: 28. ويرى القدّيس أمبروسيوس أنه يليق بالمؤمن أن ينعم بالتمتّع بهذه الحياة السماويّة في عربونها وهو بعد على الأرض، إذ يقول: ليس أخنوخ وحده حيّ، إذ ليس بمفرده أُخذ إلى فوق لكن بولس أيضًا أُخذ إلى فوق ليلتقي بالمسيح. وكأنه يليق بنا أن نتمتّع بارتفاع النفس إلى فوق لتحيا مع السيّد المسيح السماوي فلا يغلبها الموت إلى الأبد

الماعز الثائرة


الرجل الغضوب يهيج الخصومة وبطيء الغضب يسكن الخصام

(أم  15 :  18)

الماعز الثائرة


لاحظ دانيال أن ابنه يأتي من المدرسة كل يوم في حالة ثورة ضد زملائه. كان دائم الشكوى، لهذا روى له قصة الماعز الثائرة.
4   كان لدى فلاح ماعز جميلة، ربط حول عنقها جرسًا ذهبيًا. فكانت الماعز تقفز يمينًا ويسارًا، وفي عجب تحرك رأسها لكي يسمع الكل صوت الجرس فيأتون إليها، ويعجبون بها.
4   بينما كانت تقفز إذ بالجرس يدخل وسط شجيرة بها أشواك قائمة على تلٍ. تطلع الماعز نحو الشجيرة وطلبت منها أن ترد لها الجرس. قالت لها الشجيرة: "إن أردتِ الجرس فاصعدي على التل وخذيه، أنا لن أُلقيه إليك"ِ.
اغتاظت الماعز جدًا وتوعدت الشجيرة بأنها ستنتقم منها.
4   ذهبت إلى المنشار وروت له ما حدث، وطلبت منه أن يقطع الشجيرة انتقامًا لها. فأجاب المنشار: "الشجيرة لم تخطئ، فكيف اقطعها، خاصة وأنني صرت قديمًا جدًا وأسناني ليست حادة؟!"
اغتاظت الماعز للمرة الثانية وتوعدت المنشار أنها ستنتقم منه.
4   ذهبت الماعز إلى النار وروت لها كل ما حدث وطلبت منها أن تحرق المنشار. أجابتها النار: "كيف أحرق المنشار وهو على حق فيما قاله، كما أنه يعجز بأسنانه غير الحادة أن يقطع الشجيرة؟"
غضبت الماعز جدًا وتوعدت النار بأنها ستنتقم منها. ثم ذهبت إلى المياه وسألتها أن تطفئ النار انتقامًا لها، فرفضت قائلة لها: "لماذا تغضبين سريعًا، أي ذنب ارتكبته النار لتنتقمي منها؟!"
4   صارت الماعز في ثورة شديدة، وحسبت كل ما حولها ضدها سواء الشجيرة أو المنشار أو النار أو الماء، فذهبت إلى الثيران وسألتهم أن يشربوا المياه التي رفضت أن تطفئ النار. وإذ سمعت الثيران القصة بأكملها قالوا لها: "إننا لسنا عطشى والمياه لم تخطئ في حقك. لن نشربها!"
4   هددت الماعز الثيران بالانتقام منهم، ثم ذهبت إلى ذئب وروت له قصتها وسألته أن يأكل الثيران. فأجابها: "أيتها الماعز الثائرة على كل ما هو حولك، لماذا تُحرّضيني ضد الثيران البريئة، إنني لست جائعًا. إن لم تذهبي عني فورًا سأفترسك!"
4   هربت الماعز من الذئب وكان قلبها يغلي غيظًا، وانطلقت إلى البندقية تسألها أن تنتقم لها بقتل الذئب. فأجابت البندقية بأنها ليست معدة بالرصاص، وأنها لا ترغب في قتل ذئب يرفض افتراس الثيران.
4   أسرعت إلى فأر تسأله أن يُقرض البندقية لأنها رفضت أن تقتل الذئب، فرفض بدوره قائلاً: "إن البندقية من معدن ولا أقدر أن أقرض المعادن، خاصة وأن البندقية لم تؤذِ الذئب".
4   في غيظ شديد ذهبت الماعز إلى القطة تطالبها بافتراس الفأر الذي رفض أن يقرض البندقية. تطلعت القطة إلى الماعز وقالت لها: "أنتِ دائمًا ثائرة، كم مرة أردتِ أن تقتليني بقرنيك؟! لن أسمع لك".
إذ ضاق الأمر بها جدًا ذهبت إلى الراعي تروي له كل ما حدث.
     قال لها الراعي:
"أيتها الماعز الغضوب، لماذا لم تأتِ إليّ لكي أُحضر لكِ الجرس من بين أشواك الشجيرة.
لقد خلقتي جوًا رهيبًا من العداوة بينك وبين كل الكائنات التي حولك حتى الجماد؟!
هذا خطأ مني لأني تركتك طوال اليوم تسيرين من هنا إلى هناك.
أُدخلي إلى الحظيرة".
4   أغلق الراعي الباب عليها وجاء بالجرس، وعِوض أن يضعه في رقبتها لكي تتمايل من هنا وهناك معجبة بنفسها، وضعه على حافة الباب حتى متى خرجت يشعر بها فلا يتركها خارج الحظيرة لمدة طويلة. هكذا حوّل الغضب حياتها الحرة إلى شبه سجينة في حظيرة صغيرة لا تلتقي مع أحد.
V V V
هب لي يا رب أن أُلقي بالملامة على نفسي في كل شيء!
ليتني أغضب على نفسي وعلى خطاياي وجهالاتي،
عِوض الغضب على الغير.
الغضب يُحول حياتي إلى سجن مظلم.
يفقدني حريتي الداخلية وسلامي الحقيقي.
من كتاب أبونا تادرس

صوت الأبواق


صوت الأبواق على ضفاف نهر الأردن

أرسل يشوع تلميذ موسى النبي جاسوسين إلى أريحا، المدينة المحصنة بأسوار شامخة. وقد عادا إليه يخبرانه أن الملك ومشيريه والجيش وكل الشعب خائفون. جميعهم يتوقعون أن يشوع يستولي حتمًا على المدينة.
في الصباح المبكر هدم الشعب المحلة، وحزموا الخيام، ونزعوا الأوتاد الخشبية، ووضعوا الأمتعة على ظهور الدولاب، وسافروا قرابة سبعة أميال حتى بلغوا شاطيء نهر الأردن.
قال يشوع: "لنعسكر هنا لمدة ثلاثة أيام". فنصبوا خيامهم على شاطيء النهر الذي كان في حالة فيضان على جانبيه.
وكانت مدينة أريحا مقابلهم، تبعد ليس أكثر من أربعة أميال.
كان الوقت حرجًا جدًا بالنسبة لمدينة أريحا. أنا راحاب التي ساعدت الجاسوسين فقد صَدَّقتْ وعدهما لها إنها وكل أهل بيتها يصيرون في أمان. تحركت كل أسرتها، ودخلوا (أي الأسرة) بيتها كما أخبرها الجسوسان. وكان الحبل القرمزي (الأحمر) الذي استخدماه عند هروبهما معلقًا على النافذة على السور.
عبور نهر الأردن
كانت راحاب تراقب من بعيد محلة إسرائيل عبر نهر الأردن مدة ثلاثة أيام، لكن أمرًا جديدًا لم يحدث. وفي صباح اليوم الرابع دعت راحاب أسرتها، قائلة:
"انظروا، فإن اليهود يهدمون خيامهم".
صرخت راحاب قائلة:
"انظروا إلى النهر.
هوذا المياه تنسحي إلى فوق.
لم يعد الأردن في حالة طوفان.
لقد صار ممرًا جافًا!
يالها من معجزة!
لقد جف نهر الأردن!"
لاحظت راحاب وعائلتها الكهنة يحملون تابوت العهد المقدس في وسط نهر الأردن، وقد وقفوا هناك. وبمعونة إلهية عبر كل الشعب النهر على الأرض الجافة.
تطلعت راحاب وعائلتها، كل واحد نحو الآخر بنظرات يشوبها مزيج من الخوف والدهشة مع الرجاء.
صرخت راحاب، قائلة:
"الله يصنع هذه الأعجوبة لأجلهم.
إنه يعمل لحسابهم!
انظروا! هل هم يعبرون بسرعة؛ لعلهم لا يريدون أن يغرقوا كما غرق جيش فرعون في البحر الأحمر".
في لحظة انهارت الجسور، وانحدرت المياه بعنف شديد وصارت تزيد، وفاضت المياه في الموضع الذي منه الشعب.
في مخافة وصمت سار الشعب طريق الجلجال حوالي ميلين من النهر وأربعة أميال من مدينة أريحا.
ها هم يقيمون نصبا هناك تذكارًا من اثنى عشر حجرًا حصلوا عليها من عمق نهر الأردن".
صوت إنذار!
صرخ رقيب جالس على السور المحيط بمدينة أريحا:
"ها هم اليهود قادمون. اضربوا جرس الإنذار!"
إذ عرفوا أن العبرانيين قد عسكروا بالقرب من مدينتهم أمر ملك أريحا أن تُغلق الأبواب نهارًا وليلاً، لا يدخل أو يخرج منها أحد، حتى تتهيأ المدينة للحرب.
فجأة صارت أريحا في ارتباك شديد. جرى الجند إلى مواقعهم على الأسوار، فبالتأكيد يحارب اليهود المدينة في وقت قصير جدًا.
لكن أمرًا ما لم يحدث؛ فقد مرت الأيام وأبواب أريحا مغلقة تمامًا. الكل يترقب ما يحدث في خوف شديد!
لقاء مع شخص غريب
يومًا ما إذ كان يشوع يسير بجوار أسوار أريحا يترقب أوامر الله، وينتظر عمله العجيب، رأى شخصًا غريبًا يمسك بيده سيفًا مسلولاً يبرق حَدَّاه جدًا.
صار قلب يشوع يخفق بشدة: "ترى هل أرسل الملك هذا الرجل المحارب القوي في مظهره ليدخل في معركة مع جندي عبراني، فتحسم هذه المعركة الموقف بالنسبة للمدينة؟ أم أن هذا الرجل الغريب قد جاء من مكان آخر؟ ولكن، من أين أتى؟"
رفع يشوع قلبه إلى الله وصلى، طالبًا عونه السماوي، وإذ شعر بطمأنينة اقترب إليه (أي إلى الرجل الغريب).
سأل يشوع: "هل أنت عدو لنا أم صديق؟ معنا أم مع أعدائنا؟"
أجابه الشخص: "أنا رئيس جند الرب".
أضاء وجهه، وسقط يشوع بوجهه إلى الأرض.
وقال له: "بماذا يكلم سيدي عبده؟"
قال له رئيس جند الرب: "اخلع نعلك من رجليك، لأن المكان الذي أنت واقف عليه هو مقدس".
سخرية الجند
إذ رجع يشوع إلى الشعب كان واثقًا من النصرة.
صرخ يشوع وسط الشعب، قائلاً:
"لقد أخبرني الله ماذا نفعل.
ليتقدم رجال الحرب، ويدوروا حول المدينة مرة واحدة.
وليحمل سبعة كهنة أبواق الهتاف السبعة ويسيروا أمام تابوت العهد، ويدوروا أيضًا حول المدينة مرة واحدة".
بقلب شِبْه منكسر سار رجال الحرب، يتبعهم الكهنة حاملين الأبواق، ثم تابوت العهد وكل الشعب داروا حول الأسوار ثم عادوا إلى حيث بدأوا.
تطلع جند أريحا من أعلى الأسوار، وكانوا يسخرون مما يرونه، قائلين: "ما هذا الضجيج الذي يفعلونه؟! يا لهم من شعب غبي؟! إنهم لا يتركون الأسوار ولا يحاولون اقتحامهما!!!"
تكرر الأمر في اليوم الثاني والثالث والرابع حتى السادس. وبدأ شعب أريحا يتعجب، قائلين: "ماذا يفعل هؤلاء السخفاء؟ ألعلهم يلعبون؟!"
معركة غريبة
في غروب اليوم السادس قال يشوع للشعب:
"إنها معركة الله.
استعدوا باكرًا جدًا، لأننا لا نسير مرة واحدة حول الأسوار بل سبع مرات".
بدأ البعض يعترض في أعماقه كيف يسيرون حول الأسوار سبع مرات... ألا يكون في ذلك مضيعة للوقت والجهد... كيف يحاربون بعد أن تنهك قوتهم؟! وآخرون كانوا يترقبون حدوث معركة حقيقة.
عند الفجر كان الكل مستعدًا. في صمت صاروا في صفوف، وكانوا يدورون حول الأسوار مرة فمرة.
وصار الجند يتطلعون من أعلى الأسوار القريبة من الأسوار وفي المنازل القائمة على الأسوار يرون الجاهير تدور حول الأسوار.
وكانت راحاب وأهل بيتها أيضًا يتطلعون من النوافذ، لا ليسخروا، بل ليترقبوا عمل الله العجيب.
أخيرًا ضرب الكهنة بالأبواق، وكانت راحاب تتوقع أن تنهار الأبواب ليدخل جند اليهود المدينة. لكن لم يكن هناك السبعة حاملي الأبواق، يتبعهم الكهنة حاملوا تابوت الرب.
لقد ضرب الكهنة بالأبواق، وصرخ الشعب صرخة قوية!
بدأ المنزل يهتز، وصار دَوِيُّ شديد من كل جانب. بالكاد صدَّقتْ راحاب عينيها، وقد تشققت أسوار المدينة الضخمة المرتفعة، وتحولت في لحظات إلى أكوام من التراب والحجارة، ودُفن أغلب الجند فيها بينما دخل الجند اليهود إلى المدينة.
خافت راحاب جدًا: هل يذكر الجاسوسان وعدهما لي بإنقاذنا؟
بحث يشوع عن الجاسوسين، وقال لهما: "تذكرا وعدكما. أحْضِرا راحاب وأهل بيتها حالاً".
سمعت راحاب قرعات على الباب فقفزت، وفتحت الباب، وجدت أمامها الرجلين الذين سبق أن خبأتهما. لقد حفظا وعدهما لها.
قالا لها ولأهل بيتها: "تعالوا سريعًا، يلزمنا أن نخرج حالاً من المدينة!"
عبروا على أنقاض الأسوار الساقطة حتى بلغوا محلة اليهود.
بلغت لهب المدينة المحترقة السماء، وامتلأ الجو من سحب الدخان القائم. وتحولت أريحا إلى رماد. تحطم قصر الملك ومعبد الإله بعل حتى الأرض. وانمحت أريحا إلى غير عودة.
كان طعم النصرة عذبًا كحلاوة عنب كنعان الناضج. وكان على يشوع أن يقود الشعب ليهزم مدنًا أخرى، وكان الله معهم.



جاسوسان على السطح

جاسوسان على السطح
القمص تادرس يعقوب ملطي

دعا الله اليهود قديمًا شعبه المختار، ولكنهم إذ رفضوا السيد المسيح بعد ذلك لم يعودوا شعبه المختار.
عمل خطير!
قديمًا قاد الله شعبه في البرية لمدة 40 عامًا. وأخيرًا عسكروا في أرض موآب، شرق نهر الأردن.
عرف موسى النبي أن وقت نياحته (موته) قد اقترب جدًا، وأنه لا يدخل أرض الموعد، وبأمر إلهي وضع يده على رأس تلميذه يشوع الذي كان مملوءً حكمة.
قال الله ليشوع، القائد الجديد:
"تشدَّدُ وتشجَّعْ.
كما كنت مع موسى أكون معك.
فإنك ستدخل بالشعب إلى الأرض التي وعدتهم بها.
آمن يشوع بالرب، وأخبر الشعب كله بما سمعه:
"تحدث الله معي،
إنه وقت لعبور نهر الأردن، ونستلم الأرض التي وهبنا الله إياها.
بينما كان الشعب يتحرك من هنا وهناك بسرعة، كل واحدٍ منهم منشغلاً بحزم أمتعته استعدادً للرحيل، التقى يشوع بجاسوسين سرًا، وقال لهم:
"لدي عمل لكما هام وخطير للغاية.
أود أن تعبرا النهر وتدخلا مدينة أريحا سرًا، لكي تقدما تقريرًا عن هذه المدينة المحصنة بأسوار ضخمة عالية، وعن الأرض التي حولها.
فإنه يقطن في المدينة أناس أقوياء، سيقفون أمامنا ويحاربون".
اضطرب الشخصان جدًا. وقال أحدهما للآخر:
"جاسوسين!
نصير جاسوسين لأجل الله!
إنه أمر خطير، لكن الله يحمينا".
في أريحا
عند الظهيرة عبر الجاسوسان نهر الأردن، وقفا في بداية الليل أمام أسوار أريحا الضخمة، فإنه لم يكن سهلاً عليهما أن يدخلا المدينة.
كان كثيرون يدخلون ويخرجون من أبواب المدينة. اختفى الجاسوسان بينهم حتى لا يلاحظ أحد أنهما غريبان.
قال أحدهما للآخر:
"يَلْزمنا أن نجد مكانًا نبيت فيه الليلة، فقد صار الوقت متأخرًا.
إني أخشى أن يرانا أحد، ويخبر الملك، فنموت. 
انظر! ها هو منزل مبني على السور، وله نافذة خلفية، يمكننا أن نهرب منها ولا يرانا أحد. هلم نرى إن كنا نجد فيه موضعًا لنا".
رحّبت راحاب صاحبة المنزل بهما عندما دخلا إليها، وقالت لهما:
"هل أنتما الجاسوسان اللذان يبحث عنكما الملك؟"
خاف الجسوسان جدًا، وفكرا قائليْن:
"هل أتينا إلى الفخ بأرجلنا؟"
أدركت راحاب ما يفكر فيه الجاسوسان، إذ ظهرت علامات الارتباك عليهما، وبابتسامة عذبة قالت لهما:
لا تخافا!
فإني سأخفيكما!
إني سعيدة بحضوركما في بيتي،
فإن الملك والمشيرين والجند وكل الشعب في خوف.
لقد سمعنا عن شعبكما،
وعن إلهكما الذي يعمل عجائب كثيرة لأجلكم.
سمع كل واحد كيف أعانكم الله للغلبة على أعدائكم.
لقد وهبكم النصرة.
إنه إله السماء.
هذا ما يدفعني أن أساعدكما!"
صمتت راحاب قليلاً، ثم استرسلت في الحديث:
"إني أعترف لكما إنني كل يوم أقف على سطح بيتي وأتطلَّع من بعيد لأرى شعبكما من بعيد وراء نهر الأردن، في موآب.
كنت ومازلت أقول في نفسي: "يا لهذا الشعب السعيد بإله السماء والأرض.
هل يمكنني أن أؤمن به وألمس محبته؟!
أنا أعترف بكثرة خطاياي... وأثق أن الله يغفرها لي.
لقد مَللْتُ الخطية، فهي مغرية، لكنها مُفْسِدة، لا تُشْبع قلبي!
أود أن أترك عبادة البعل، وأعبد الله الحيّ!"
بينما كانت راحاب تتحدث مع الجاسوسين وهما يُنْصِتان إليها ويمجدان الله، إذ بصوت ضجيج في الشارع يقترب نحو البيت. كان الجند يجرون نحوه.
قالت راحاب لهما: "أسْرِعا! اِصْعدا إلى السطح، واختفيا بين عيدان الكتان حتى يعبر الجند".
أسْرَعا نحو السطح، وغطتهما راحاب بالعيدان. رقد الاثنان وكانا يُنْصِتان ويترقَّبان ماذا يحدث.
مع الجند
صرخ الجند وهم يضربون على الباب بعنف:
"راحاب!
افتحي باسم الملك!"
قالت راحاب:
"ماذا تريدون؟"
أجاب الجند:
"لقد أرسلنا الملك لكي نخبرك أن تُسلَّمي لنا الرجلين اللذين جاءا هنا، وأنتِ تأويهما. فإننا نظن أنهما جاسوسان لحساب الجيش العبراني. لقد جاءا لكي يستكشفا المدينة كلها".
في هدوء قالت راحاب:
"نعم.
لقد جاء الرجلان قبل الظلام.
إنني أود مساعدة الملك.
بالحقيقة كنتُ أود ذلك، لكن للأسف لقد تركاني، ولا أستطيع أن أخبركما أين ذهبا.
لقد خرجا ليس من وقت طويل.
لقد أرادا أن يعبرا الأبواب قبل حلول الليل.
انظروا فإنه يوجد وقت للخروج وراءهما إِنْ أسْرعتم الحركة".
تنفَّس الجسوسان الصعداء، قائلَيْن في نفسيهما:
"هل يُصدّقانها الجند؟ هل يبحثوا عنهما؟ هل يأتوا إلى السطح؟"
لقد سمعا أن الجند يخرجون من المنزل مندفعين وقد أغلقوا باب المدينة وراءهم. وإذ اطمأنَّتْ راحاب جاءت وأخرجتهما من مخبأهما.
سألها أحدهما: "لماذا فعلْتِ هكذا؟"
أجابت راحاب:
"أنا أعلم أن الله قد أعطاكما هذه الأرض.
الآن قَدِّما لي وعدًا أن تنقذاني أنا وأهل بيتي عندما تستوليان على أريحا".
قال الجاسوسان:
"لقد ساعَدْتِنا، فسنساعدك.
ضَعي حبلاً قرمزيًا (أحمر) على النافذة، وتأكدي أنكِ أنتِ وكل أهل بيتك داخل هذا المنزل عندما نهاجم أريحا، فلا يصيبكم ضررًا".
وضعت راحاب على النافذة التي على السور حبلاً قرمزيًا (أحمر) وكان قويًا، به نزل من السور وهربا.
لقد استخدم الله راحاب لكي ينقذهما، وبعون الله أنقذاها عندما عادا إلى أريحا واستولى الشعب عليها.
بالإيمان خلص الجاسوسان،
وبالإيمان خلصت راحاب، وجاء فيما بعد ربنا يسوع من نسلها.
حوار مع يشوع
عاد الجاسوسان إلى يشوع، وبفرح صرخا، قائلَيْن:
"الشعب كله يخافنا!
إننا حتمًا سننتصر!"
فرح يشوع بما سمعه من تقرير الجاسوسين، وابتهج جدًا إذ عرف أنه توجد إنسانة واحدة مؤمنة في المدينة.
غير أن بعضًا من الشعب قالوا:
"أين هو الجسر لكي نعبر به نهر الأردن؟"
قال الطفل الصغير:
"ربما يُجفِّف الله الماء كما أخبرتمونا إنه فعل هكذا قديمًا بالبحر الأحمر".
قال يشوع:
"حتمًا يتحرك الله معنا،
وهو يجرُّ الماء إلى خلف.
لا تخافوا فإن الله هو واهب النصرة!"


أحدث الموضوعات

From Coptic Books

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة من 10/2010