الأم تيريزا






تعتبر الأُمّ تيريزا (1910- 1997) من أهمّ الشخصيّات الإنسانيَّة التي جسّدت في مسيرة حياتها وأعمالها التُقى والخير في أجمل معانيهما. وهي في تواضعها وبساطتها والتفاتها إلى الفقير والمريض والمحروم أيّاً كان دِينه أو وطنه أو منشؤه لا تنفكّ تتربّع في أذهان الشعوب قاطبة مثالاً تحتذي به الأجيال في الإخاء الدِينيّ والتضامن الاجتماعيّ والصفاء الحقيقيّ على نحو قلّ نظيره.



ومع ما نالته الأُمّ تيريزا من تكريم عالَميّ وعربيّ واسع كانت سورية السبّاقة إلى تحيّتها. فأصدرت طابعاً بريديّاً خاصّاً يحمل صورتها، وانبرى الإعلام السوريّ يشيد عالياً بمآثرها التي تكاد لا تُحصى، ونهضت في سورية مراكز لجمعيّتها "جمعيَّة مُرسَلات المحبّة" تسير على نهجها الفريد، ومؤخَّراً سُمّيت ساحة كُبرى في حلب الشهباء باسم "ساحة العطاء – الأُمّ تيريزا"...


نشأتها


أبصرت الأُمّ تيريزا (أغنيس كونكسا بوجاكسيو) النُور في 26 آب 1910 لوالدين ألبانيّين محبّين مسالمين في يوغسلافيا السابقة في مقاطعة مكدونية - مدينة سكوبيج. وما عتّمت، في يفاعتها، أن شعرت بدافع داخليّ يحدوها على خدمة الآخَرين، وقرّرت أن تكون مرسَلة في الهند. فانخرطت، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، في صفوف راهبات "سيّدة اللوريت" الإيرلنديّات العاملات هناك، متّخذةً اسم "تيريزا". وعُيّنت في العام 1929 في كَلكوتا عاصمة البنغال لتنهض بمهمّة التعليم.

بقيت الراهبة الأُمّ تيريزا عشر سنوات تقوم بواجباتها خير قيام، وتحظى بمحبّة الفتيات، وتعيش في جوّ فريد من السكينة والصلاة. ولكنّها في أثناء ذلك اكتشفت الوجه الآخَر لمدينة كَلكوتا. زارت الأحياء التنكيَّة المترامية الأطراف حيث يعيش الناس في فقر مدقع، ويموتون بالمئات على قارعة الطريق ويولدون بين أكوام القمامات وما من سائلٍ عنهم.


انطلاقتها
نالت الموافقة على ترك التدريس والبيئة الميسورة والانطلاق إلى "مدرسة الفقراء": بناؤها الشارع، وصفوفها الأكواخ وتلامذتها المشرَّدون والعجزة المتهالكون عناءً على الأرصفة والبرص المحكوم عليهم بالفناء وهم أحياء. وبدأت حياتها الجديدة في العام 1948 فلبست ثوب الساري الأبيض على غرار النساء الهنديّات، واختارت لها كوخاً، وراحت تُسارع إلى نجدة كلّ مَن تُصادف حولها. فكانت الخادمة والممرّضة، والعاملة والمنظّفة والمعلِّمة والمعزّية والمصلّيَّة والخاشعة... انتشر صيتها بين تلميذاتها القُدامى وشبّان كثيرين فخفّوا إلى مساعدتها ودبّت الحياة وعادت البسمة إلى تلك المقبرة الكُبرى.


جمعيَّة مُرسَلات المحبّة


وبعد دراستها الطبّ أنشأت الأُمّ تيريزا في العام 1950 جمعيَّة "مُرسَلات المحبّة" للاعتناء بأولئك الذين لا يكترث لهم أحد والمصابين بأمراض عُضال أو سارية، بدون توقّع أيّ مكافأة أو أجر. وكذلك أنشأت فرعاً للرجال باسم "مُرسَلو المحبّة" كما افتتحت "دار القلب النقيّ" لاستقبال الحالات المستعصية والمشرفين على الموت. وكان حصيلة ذلك أن انتشلت من شوارع المدينة ما يزيد على 42000 رجل وامرأة وطفل واعتنت بأكثر من 19000 مريض فأنقذتهم. انطلقت جمعيَّة الأُمّ تيريزا من الهند لتصل إلى جميع البلدان حيث الحاجة. وازداد عدد أعضائها بصورة منقطعة النظير، حتّى ضمّت مؤسَّساتها الخيريَّة لغاية العام 1997 أكثر من أربعة آلاف عضو موزَّعين في نحو 600 مؤسَّسة في أكثر من 120 بلداً



العالَم يكرِّم الأُمّ تيريزا


نالت الأُمّ تيريزا أوسمة رفيعة وجوائز عديدة: "جائزة تامبليتون ونهرو" من أجل تحقيق العيش المشترَك بين الدِيانات المختلفة والتفاهم بين الدول، وجائزة بابا الفاتيكان في العام 1971، وجائزة نوبل للسلام في العام 1979 التي خَصَّصت قيمتها لبناء منازل للفقراء في العالَم. ومُنحت جنسيّات فخريَّة عديدة لكُبريات الدول، وكَتبت عنها وسائل الإعلام العالَميَّة والعربيَّة على نحو لم تحظَ به شخصيَّة من قبل. وعُرض شريط حياتها المُثلى عبر أفلام سينمائيَّة على الشاشة الكبيرة والصغيرة في مختلف أنحاء العالَم. واتُّخذت لها مواقع عالَميَّة وعربيَّة عديدة على شبكة الإنترنت بمختلف اللغات. وتناولت سيرتها مؤلَّفات ومقالات كثيرة باللغات الأجنبيَّة والعربيَّة من بلدان متفرِّقة، وفي مقدّمتها سورية، أظهرت مكانة هذه المرأة المِعطاء في القرن العشرين هِبة للإنسانيَّة جمعاء. وقيل فيها أعذب الكلام بدءاً من الشخصيّات السياسيَّة والروحيَّة العالَميَّة المرموقة وصولاً إلى الأطفال الذين قرؤوها عنواناً من عناوين الأُمومة الغالية على قلوبهم. وسارع إلى لقائها أعلام كثيرون يعبّرون عن مؤازرتهم وتقديرهم لمساعيها النبيلة. واستقبلها رؤساء الدول وشعوبها الاستقبال اللائق بالشخصيّات العظيمة مقدّمين لها تحيَّة الإكبار والإجلال.


رحيلها

رقدت الأُمّ تيريزا في الخامس من شهر أيلول من العام 1997 وهي في السابعة والثمانين من عمرها بعد صراع مع العناء والمرض. وأُقيم لها في 12 أيلول 1997 مأتم رسميّ مُهيب ندر مثيله، ودُفن جثمانها في بيت "مُرسَلات المحبّة" الرئيسيّ في كَلكوتا مُحاطاً بأكاليل من زهور وصحائف من رثاء.

من مآثرها


من مآثرها أنها لدى تسلمها جائزة نوبل للسلام التي تبلغ مئات الآلاف من الدولارات، ارتدت الساري إياه الذي ترتديه في حياتها العاديةـ والذي يبلغ ثمنه دولارا واحدا. كما أنها طلبت إلغاء العشاء التقليدي الذي تقيمه لجنة جائزة نوبل للفائزين، وطلبت ان تعطى المبلغ لتنفقه على إطعام 400 طفل هندي فقير طوال عام كامل.

أحدث الموضوعات

From Coptic Books

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة من 10/2010