الرضيع والأميرة

الرضيع والأميرة
القمص تادرس يعقوب ملطي
ملك مضطرب
وقف فرعون، رمسيس الثاني، في قصره العظيم يراقب إنشاء أبنية فخمة، تُستخدم فيها حجارة كبيرة وثقيلة. وفي خيلاء قال في نفسه:
"عملي هذا عظيم 
كم أنا عظيم!
عبيدي بلا حصر! إنهم جيش من النمل!
هم نملي أنا!
يعملون بجديّة بفضل خطتي الناجحة!"
وسط هذه الأفكار المتشامخة، كان القلق يساوره. ففي غضب شديد كان كمن يلتهب نارًا أو كمن كاد أن ينفجر من الغيظ وهو يقول:
"عبرانيون هم!
جاءوا إلى مصر منذ حوالي 400 عامًا، وكان عددهم قليلاً جدًا. وها هو يتزايد عددهم جدًا.
حقًا إنهم عبيدي، ويعملون لحسابي بجدية، لكنني لا أستطيع أن أثق فيهم.
إن لم أكن حريصًا، فسيثورون علىَّ ويغتصبون مملكتي".
التقى فرعون برجال البلاط وقال لهم:
"لقد صار اليهود أكثر منا عددًا وقوة. هلُمَّ نتصرف بحكمة قبل أن يصيروا خطرًا علينا. لنسلبهم حريتهم، ونذيقهم المرارة؛ عندئذ يتركون مصر، فأصير في أمان! إنني محتاج إلى أعمالهم كعبيد لي ولكن..."
صدرت الأوامر مشددة بسحق اليهود بالضغط عليهم بالأعمال الشاقة في الحقول وبناء المدن العظيمة والهياكل والقصور والمقابر، يلتزمون بحمل الحجارة الثقيلة، وعمل اللَّبِن وحمله بكميات كبيرة. وقد أقيم عليهم رؤساء عمل مرَّروا حياتهم جدًا. ومع هذا كان عددهم يتزايد جدًا.
قي قسوة وأنانية أصدر الملك أمره إلى القابلتين اللتين كانتا تقومان بتوليد العبرانيات أن تقتلان كل طفل ذكر عبراني. إلا أن القابلتين خافتا الله فلم يسمعن للملك، وقام العبرانيون بإخفاء أطفالهن ليلاً ونهارًا، كما كانوا يُصلّون ويُصلّون حتى يعينهم الله بقوته ورحمته.
طفل في وسط البردي
في تلك الأيام كانت هناك سيدة تدعى يوكابد من سبط لاوي، قامت بمساعدة رجلها عمرام وطفليها هرون ومريم بإخفاء الرضيع لمدة ثلاثة شهور. كانوا يبذلون كل الجهد ألا يبكي الرضيع حتى لا يقتله الجند الذين كانوا دائمي الحركة يتصنتون على البيوت لعلهم يسمعون صوت رضيع ذكر.
أخيرًا جمع الكل بعض أعشاب البردي من حافة النهر، وقامت الأم المحبوبة بضفرها كسلة، طلوها بالحُمر والقار حتى لا يتسرب إليها الماء، فصارت أشبه بقارب صغير. ألبست الأم رضيعها، وقبلته، وقمطته بملاءة حوله لتحفظه في دفء وسلام وأمان.
كانت مريم تتطلع إلى ما تفعله أمها وهي في حيرة، وأخيرًا سألت أمها: "ما هذا يا أماه؟ ماذا تفعلين؟ ولماذا؟
أجابتها الأم ودموعها تنهمر من عينيها: "سترين يا ابنتي، سترين! انتظري في هدوء".
صارت الأم ترقُب من إحدى النوافذ الجنود وهم يعبرون ببيتهم، وإذ خلى الطريق منهم حملت رضيعها وطلبت من ابنتها الصغيرة أن ترافقها. وسار الاثنان معًا قرابة ميلٍ حتى بلغوا شاطيء النيل. عندئذ بدأت الفتاة الصغيرة تفهم ما تفعله أمها.
وضعت الأم السلة بين أعشاب البردي، وأَضجعت رضيعها فيها، ثم رفعت عينيها نحو السماء لتصلي لله في صمت... تكلمه بدموعها المنهمرة وتنهدات قلبها غير المنقطعة.
لم تدخل المياه إلى قارب الطفل الرضيع، أما هو فصار يتثاءب ثم نام في هدوء.
مسحت الأم دموعها وهي تهمس: "لن يستطيع الملك أن يجده... إنه مخفي بين البردي؛ إنه محفوظ في يديْ الله!"
في صوت هاديء حزين قالت مريم لأمها: "أماه. سأبقى هنا مع أخي، أقضي معه النهار كله حتى لا تقترب منه الطيور، وإن جاء أحد أتظاهر باللعب".
قبَّلت الأم ابنتها الصغيرة، وحوطتها بحضنها، ثم فارقتها وهي تشعر بأن ابنتها إنسانة ناضجة بقلبها وفكرها، وإن كانت صغيرة بجسدها.
بقيت المسكينة مريم بجوار النهر وحدها تجلس على حجر إلى ساعات طويلة... وكانت بقلبها وكل مشاعرها تتطلع إلى أخيها... بين الحين والحين عندما تطمئن إنه لا يراها أحد تتسلل بين أوراق البردي لتقدم لأخيها شرابًا حتى ينام.
كانت السفن تبحر في وسط النيل، وجاءت بعض النساء يغسلن ثيابهن عند حافة النيل ولم يلاحظ أحد قط السلة حتى شاهدت موكبًا من النساء، فقد تقدمت واحدة الموكب كله... إنها ابنة فرعون، الذي يطلب أبوها قتل الأطفال الذكور، وقد جاءت تستحم. هذا ما أدركته مريم فاختفت بين الأعشاب بعيدًا، وحرصت ألا يصدر عنها صوت.
نزلت الأميرة بيثيه إلى الماء لتستحم فشاهدت السلة. طلبت من إحدى جواريها أن تأتي إليها بالسلة. فتحت الغطاء فبكى الطفل. صرخت الأميرة: لماذا؟ انظرن! إنه رضيع عائم! حتمًا إنه عبراني!... أخرجته الأميرة من السلة وهي متهللة: "كم هو جميل وحلو! إنني آخذه معي إلى القصر وليعيش معي!"
يقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس إن الأميرة بيثيه كانت مصابة بالبرص؛ وما أن لمست السلة حتى برأت للحال. هذا ما جعلها أن تترفق بالطفل جدًا.
لم يلاحظ أحد أن مريم كانت مختفية، وإنما تسللت لتسير بجوار الأميرة وجواريها كمن لا تعطي اهتمامًا. اقتربت مريم منهن جدًا.
"سلام" قالت مريم: "أرضيع هذا؟!"
أجابت الأميرة: "نعم، لقد وجدته عائمًا هنا!"
قالت مريم: "أتحتاجين إلى مربية له ترضعه وتهتم به. فإنني أعرف سيدة يهودية يمكن أن ترعاه ليلاً ونهارًا". هذا ما قدمته مريم للأميرة وقد انحنت أمامها، بينما كانت الأميرة تحاول أن توقف بكاء الرضيع بكل وسيلة.
أجابتها الأميرة وهي شاكرة لها: أرجوكِ اذهبي واحضريها إلىَّ".
عودة إلى بيته
إذ جاءت الأم مسرعة انحنت أمام الأميرة، وقالت لها: "كل ما تأمرين به أنفذه". تطلعت إليها الأميرة بابتسامة عريضة وقالت لها: "خذي الرضيع واهتمي به، وأنا أدفع لك الكثير لتربيته. حبيه كأنه ابنك، وعندما يقوى احضريه إلىَّ في القصر". ثم قالت الأميرة: "إني أدعوه موسى"، وهو اسم مصري معناه: "مُنتشل من الماء".
امتلأت عينا الأم بالدموع، وقلبها بالفرح، وشكرت الله الذي ردّ إليها رضيعها وصار في أمان. وكانت مريم أيضًا سعيدة جدًا إذ شعرت أن الله هو الذي حفظ أخاها الرضيع.
حملت الأم رضيعها إلى البيت، حيث نشأ هناك في كوخ صغير مصنوع من اللَّبِن الأخضر (الطوب النّي) في مواقع صنع اللَّبِن. كبر الرضيع وصار يلعب هناك، وكان يسمع أصوات سياط رؤساء العمل المصريين وهي تنهال على العمال العبرانيين... كما سمع من والدته وإخوته عن القصص القديمة عن شعبه، قصص إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف الذي جاء إلى مصر. كما عرف إنه حتمًا سيترك عائلته ويذهب إلى القصر كابن لابنة فرعون.     

أُغَني لربي بالمزامير

أُغَني لربي بالمزامير
القمص تادرس يعقوب ملطي
"اِنْتِظارًا انتظرت الرب،
فمال إليّ وسمع صراخي" مزمور 40

شعرت بالحزن فصرخت إليك.
أنت معيني، تميل أذنك إليّ.
أذنك تسمع تنهدات قلبي غير المسموعة.
أذنك تسمع صرخات طفل صغير وهمسات فمه.
أحكي لك ما أخجل أن أرويه لأحد.
تمسح دموعي وتُفرِّح قلبي.
أراك تتحنَّن عليّ فأُغني لك.
أرنم لك أغنية جديدة.
أنت فرحي وترنيمتي يا حبيبي يسوع!
"قلبًا نقيَّا اخلق فيّ يا الله،
وروحًا مستقيمًا جدِّده في أحشائي" مزمور 50

الخطية جعلت قلبي غير نظيف.
مَنْ يقدر أن يدخله ويغسله؟
أنت يا مخلصي تغسله بدمك الثمين، وبروحك القدوس تُعيد خِلْقَته.
نعم! جدَّده لكي يستقبلك!
تعال أيها الرب يسوع إلى قلبي.
"مبارك الرب يومًا فيومًا،
يُحَمِّلنا (بالبركات) إله خلاصنا" مزمور 68

مبارك أنت يارب،
في كل يوم تهبني عطايا كثيرة.
أعطيتني صليبك أعظم عطية.
أَحببتني وقدَّمت ذاتك لي.
أراك في قلبي أيها المصلوب الحبيب.
أراك أمامي تقودني، وخلفي تحفظني، وفوقي ترفع 
عينيْ إلى سمواتك، وحولي تُفرِّح حياتي.
أراك في داخلي، فماذا أطلب بعد؟!
"صِرْتُ أجنبيًّا عند إخوتي،
وغريبًا عند بني أميِّ" مزمور 69

مَنْ يفهمني يارب غيرك؟!
أبي وأمي وإخوتي وأصدقائي أحيانًا لا يفهمونني!
أشعر كأني غريب عندهم.
تعال يا مخلصي يسوع فأنت بالحق صديقي 
الحبيب.
أسمعك تناديني باسمي، وتقول لي:
"أنت ابني.
قلبك هو مَسْكَن لي.
أنت نصيبي".
وأنا أناجيك:
"أنت لي يا مخلصي،
وأنا لك.
نعم لستُ بعد وحدي لأنك معي وفي قلبي".
"اللَّهُم التفت إلى معونتي.
يارب أسرع وأعني.
ليَخزَ ويخجل طالبوا نفسي" مزمور 70

عندما أخطيء أَلْجَأ إليك.
الخطية مُرة وعدو الخير يُقاتلني.
لكنني وأنا طفل جندي قوي... أنت قوتي!
لا أخاف... لا أضطرب... لا أهلك!
أنت قائد حياتي.
باسمك غلب داود النبي جِلْيات،
وباسمك أغلب أنا عدو الخير.
إنه تحت أقدام أولادك ضعيف...
إنه ليس قويًا كما يبدو،
لأنك تُحطِّم سُلطانه بصليبك.
"الرب قد مَلَك فلتتهلَّل الأرض" مزمور 90

قُمتَ يا مخلصي من بين الأموات،
ومَلكتَ في قلبي.
الآن فلتتهلَّل الأرض وتُرنِّم لك.
المحيطات والأنهار تُغني لك.
الحقول والغابات والجبال تُسبَّح لك.
الشيوخ والشباب والأطفال يُرتِّلون لك.
عظيم هو الرب قاهر الموت.
نعم! تعال يا مخلصي أُمْلك في قلبي.
قلبي يُرنِّم لك فرحًا!
"هذا هو اليوم الذي صنَعَه الرب
فَلِنفرح ونبتهج فيه" مزمور 118

في كل صباح أجدك تهبني يومًا جديدًا.
كل ساعة أعيشها، وكل دقيقة، بل وكل نسمة هي 
عطاياك لي.
أرى عجبًا في معاملاتك معي.
أما يوم ميلادك فهو أسعد يوم!
وُلِدْتَ أيها الكلمة بالجسد، وصرت لأجلي إنسانًا.
جعلتني أيها الابن الوحيد ابنًا لله.
لك المجد يا مخلصي الصالح!

آدم وحواء

آدم وحواء
القمص تادرس يعقوب ملطي
آدم وحواء
أتريد أن تعرف كيف بدأت الحياة البشرية؟
اقرأ أول قصة في الكتاب المقدس. إنها تحكي لنا عن عالمنا، كم كان جميلاً عندما خلقه الله خصيصًا للإنسان. لقد خلق أبوينا الأولين آدم وحواء، اللذين فتحا أعينهما ليجدا حولهما جنة ممتعة. لقد كانا عروسين في غاية السعادة، يتمتعان بالحياة مع الله المحبوب.
تخبرنا القصة أيضًا عما حدث لهذين العروسين عندما عصيا الله.
جنة جميلة
غرس الله جنة في عدن شرقًا (في منطقة العراق). وكان ينمو فيها كل أنواع الأشجار والنباتات. وعلى حدودها يجري نهر ماؤه يكفي لزراعة عدن كلها. ويتفرع من هذا النهر أربعة أنهار هي:
نهر فيشون، يحيط بأرض بها ذهب وحجر الجزع.
نهر جيحون، يحيط بأرض كوش.
نهر حداقل، يجري شرقي أشور.
نهر الفرات.
كان آدم سعيدًا جدًا، يتحرك قي الجنة كعصفور يطير؛ لا يعرف الغضب ولا الكراهية ولا حب الكرامة؛ لا يعرف الهموم؛ ولا يضطرب من أجل الغد. كل ما يشغله هو صداقة الله له. كان سعيدًا بالله الذي وهبه أن يتمتع بما يتنسمه وما يلمسه وما يأكله، كما وجد متعة في الزراعة ورعاية الجنة!
لم يحرمه الله من شيء، وبحبه أعطاه وصية سهلة، حتى يفرح بطاعته لله كعلامة على الصداقة معه، إذ يرد حب الله له بالطاعة. لقد طلب منه ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر التي في وسط الجنة، وقد أحاطها الله بأنواع كثيرة من الأشجار حتى لا يشعر آدم بالحرمان.
آدم صديق الحيوانات والطيور
تطلع آدم حوله فرأى مخلوقات كثيرة جميلة ومتنوعة.
رأى حوله مخلوقات تمشي على أربعة أرجل، ولها أصوات عجيبة، لكنها لا تتكلم. بعضها ضخم جدًا وقوي لكنها تخضع له، تشتاق أن تخدمه. وبعضها صغير للغاية حتى بالكاد يمكنه أن يراها. كما شاهد مخلوقات تطير حوله في الجو، لا يمكنه هو أن يفعل ذلك، إذ لم تكن بعد لديه طائرة أو مركبة فضاء. وكل ما كان يطير حوله إنما ليهبه متعة وفرحًا. نظر إلى المياه فرأى كائنات تسبح في وسط المياه وتنزل إلى الأعماق، فكان يتأمل فيها وهو على الشاطيء، ولم تكن لديه غواصة لينزل بها إلى أعماق المياه.
كان الله يلتقي بآدم الذي يجري إليه ويتحدث معه ويشكره.
- أهذا هو عملك يا الله؟
- هذا هو عملي، الذي صنعته لأجلك يا آدم...
لقد قدمت لك كل الحيوانات والطيور وكل ما هو حولك وتركت لك الحرية لتعطيها أسماءها.
- أهكذا تحبني يا الله؟
- إني أحبك يا آدم وأكرمك أمام كل الأرض!
- أشكرك وأسبحك وأمجدك أيها الخالق العجيب في حبه! إني أحبك يا رب!
التفت الحيوانات والطيور حول آدم، وكأنها جاءت تحييه...
ربت آدم على فرو أحد الوحوش القوية البنية، ذات أسنان قوية ومخالب كبيرة، وقال له: "أنت أيها الوحش القوي ملك الحيوانات، لتعش في الغابة، سأناديك أسدًا". هزّ الأسد رأسه فرحًا، وأخذ يزأر بصوتٍ عالٍ.
رأى آدم حيوانًا يقفز بين أغصان الأشجار وكأنه يحييه بطريقته الخاصة، دعاه قردًا... قفز القرد على ظهر الأسد وأخذ يلعب...
جاءت بعض الطيور من أغصان الشجر، واستقرت على ظهر حيوان ضخم، وكانت تغرد معًا كأنها جوقة من الموسيقيين... دعا آدم الحيوان ديناصورًا ودعا الطيور: بلابل وكناريا...
أطلق آدم أسماء مختلفة لكل أنواع الحيوانات، فأعطى اسمًا للكلب الذي كان يداعب آدم ويلحس قدميه ويديه، وأعطى اسمًا للحصان الذي صار يركبه ويجري به في الجنة شرقًا وغربًا، وهكذا بقية الحيوانات والطيور والزواحف، وكان آخر الأسماء هو الحية.
مرت الأيام، وآدم في كل مرة ينادي أسماء جديدة، وكان قلبه يلهج حبًا وشكرًا، وهو يقول:
"يا سيدي، لقد أعطيتني أصدقاء ومعاونين كثيرين، ماذا أرد لك من أجل أعمال محبتك؟"
أسعد زوجين في العالم!
إذ كان الله يتمشى في الجنة حيث كل شيء بفيض ووفرة رأى الحيوانات والطيور أزواجًا أزواجًا، أما آدم فينقصه شيء، إنه وحيد بدون شريك. ليس جيدًا للإنسان أن يعيش وحيدًا!"
نادى الله آدم الذي كان يعمل في الجنة بفرح... وكان هذا هو الصوت الوحيد الذي سمعه آدم. جرى آدم نحو صوت الرب مثل المغناطيس عندما يجتذب إبرة البوصلة. كان يجري عبر الأشجار، وهو يقول: "هأنذا يا رب!"
دار الحوار التالي بين الله وآدم:
- ما رأيك في هذه الحيوانات والطيور والأسماك؟
- إنها لرائعة! أشكرك يا سيدي.
إني أحبها جميعًا، إنها أصدقائي.
- لكنها لا تتحدث معك يا آدم. ولا تأكل معك.
إنني أخلق لك رفيقة تكون معينة لك.
تكون لبقة ومتفهمة ومحبة.
تتحدث معك وتسندك.
طلب الله من أدم أن ينام، وإذ استيقظ وجد بجواره امرأة خلقها من جنبه، لتكون قريبة جدًا من قلبه. لم يخلقها من رأسه حتى لا تسيطر عليه، ولا من رجليه حتى لا يتسلط عليها...
فرح آدم جدًا بهذه الامرأة، وقال: "إنها من عظمي ومن لحمي!" مدّ يده إليها، وصار يتمشيان معًا في الجنة... وكان يروي لها خبراته المفرحة مع الله، كيف يلتقي معه كل يوم ليتحدثا معًا. صار يحدثها عن معاملات الحيوانات والطيور معه، وكيف أعطى لكل منها اسمًا، كما حدثها أيضًا عن وصية الله بخصوص شجرة معرفة الخير والشر التي في وسط الجنة، وإنه لا يقترب إلى هناك حتى لا يشغل ذهنه بالأمر.
عاشا معًا بروح المرح، يقطفان الثمار ويأكلان، يسبحان في النهر، ويستظلان معًا في النهار تحت الأشجار... وكانا عريانين دون أن يخجلا. كانا يعملان معًا بروح التفاهم، يكتشفان كل يوم أشياءً جديدة.
عند كل غروب كان الله يظهر لهما ويتحدث معهما، وهما يحدثانه عما فعلاه طول النهار بكونه صديقهما الحميم.
حوار مع الحية
صنعت حواء سلة لتضع فيها الفاكهة التي كانت تلتقطها من الأشجار. وفي ذات يوم إذ كانت تجمع الثمار وصلت إلى منتصف الحديقة. هناك شاهدت شجرة كبيرة مليئة بالثمار، فتذكرت حواء ما قاله الله لرجلها آدم، إذ أعطاه حرية الأكل من كل الأشجار ماعدا هذه الشجرة.
وقفت حواء أمام الشجرة، وقد التفت حولها الحيوانات تداعبها، وكانت الطيور تهيم في الجو تغرد، وكان الكل في شبه حفل يومي مفرح... كان الكل فرحًا ماعدا الحية، فقد ملأ الحزن كيانها لأن آدم وحواء على علاقة طيبة مع الله.
لم تكن حواء تسمع إلا صوت الله ورجلها آدم، لكن في هذا اليوم ولأول مرة تسمع كلمات مفهومة تصدر عن فحيح الحية الخبيثة:
"حواء! حواء!
لماذا لا تذوقين من ثمار هذه الشجرة التي في وسط الجنة؟
ألم يسمح لكما الله أن تأكلا من أية ثمار تريدونها؟!
هل منعكم الله من أكل ثمار أية شجرة في الجنة؟!"
أجابت حواء يمكننا أن نأكل من الثمار أو النباتات التي نريدها ماعدا ثمر هذه الشجرة، وإلا هلكنا".
بضحكة ساخرة أجابت الحية: "يا للغباوة! أتصدقين هذا الكلام؟! مستحيل تموتي! فإن أكلتي منها تملأك المعرفة، وتصيرين حكيمة كالله، وتميزين بين الخير والشر. جربي بنفسك، فسترين أن ما أقوله هو حق!"
همست الحية في أذني حواء لتكمل حديثها معها، قائلة: "إنك إذا ما أكلتي من هذه الشجرة تنالين قوة بها تميزين الخير عن الشر، وتصيرين مثل الله، لهذا أمر ألا تلمسا الثمرة ولا تأكلان منها!"
تحركت حواء نحو الشجرة وهي تصارع بين وصية الله ومشورة الحية، وفي هدوء تطلعت إلى الشجرة فوجدت ثمارها شهية للنظر ومبهجة للعيون! رفعت يدها في تردد حتى أمسكت بفرع من فروعها... وبدأت تسأل نفسها: "لماذا يحرمنا الله من هذه الثمرة الجميلة المنظر؟! هل يُسر الله بحرماننا؟! وما هو الضرر الذي يصيب الحية من حرماننا من الأكل؟!... دخل روح الشك من جهة الله في فكرها يصحبه تصديق مشورة الحية.
مدت حواء يدها لتقطف ثمرة واحدة وهي تقول: "لأجرب ثمرة واحدة!"، وإذ قضمتها قالت: "يا لها من ثمرة شهية!" وكانت الحية تراقبها من وراء شجرة صغيرة لترى ماذا يحدث.
استغيب آدم زوجته فصار يبحث عنها حتى وجدها نصف مختبئة وراء أغصان الأشجار. سألها آدم أين أنتِ؟"
أجابت حواء وهي تغطي خوفها بابتسامة عريضة: "إنني أجمع الثمار كما اتفقنا. انظر إلى هذه الثمرة، كم هي لذيذة... إنها لا تشبعك، لكنها تملأك معرفة!"
قال آدم: "هل هذه من ثمر شجرة معرفة الخير والشر؟"
أجابت: "لا تضطرب! فإنها ألذّ ثمرة في الجنة؟"
قال آدم: "لكن الله قد أمرنا ألا نأكل منها وإلا متنا!"
ضحكت حواء واقتربت من آدم لتقول له: "ألا تصدق عينيك... لقد أكلت منها، ولم أمت!"
صمت آدم قليلاً، ليسمعها تقول: "انظر فإنني حية وصارت لي معرفة. تذوقها أنت أيضًا فنصير نحن الاثنان كالله عارفين الخير والشر!"
كانت الحية تتابع الحوار بين الزوجين في ابتسامة خبيثة.
أمسك آدم بالثمرة من يد زوجته واشترك معها في أكلها... وللحال شعر هو وزوجته بإحساس لم يختبراه من قبل: شعور بالخوف الشديد ممتزج بالخزي والعار، كما أدركا أنهما كانا عريانان.
قال آدم: إننا عريانان. لقد أعطى الله الحيوانات فراء وجلدًا لتدفئتها، ووهب الطيور ريشًا، أما نحن فلم يُعطنا شيئًا من هذا!!"
جرى الاثنان ليختبئا وراء شجرة تين، وصارا يقطفان منها بعض الأوراق العريضة ويخيطانها معًا على شكل بنطلون قصير.
ماذا يحدث لزهرة جميلة ترفض أن ترتوي من الماء أو تحرم نفسها من ضوء الشمس؟ إنها تذبل بعد ساعات قليلة! هذا ما حدث لآدم وحواء عندما حرما نفسيهما من الله، وقالا له: "لا!". خسرا صداقته وشعرا بالحرمان من الحياة والسعادة، وصارا فقيرين مع كل ما يملكانه: الجنة كلها! تسلل الخوف والكراهية والحسد... إلى قلبيهما، وعرفا الشر لأول مرة!
"انصتي" قال آدم لحواء: "إني أسمع صوتًا! إنه صوت الرب يتمشى في الجنة!"
لأول مرة يختفي الاثنان من وجه الله، إذ فقدا صداقته لهما بمخالفتهما وصيته.
نادى الله آدم: "أين أنت؟ ولماذا أنت خائف؟"
خرج آدم وحواء من مخبأهما، وفي خجل شديد قال آدم: "سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبأت".
قال له الله: "من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟"
أجاب آدم: "المرأة التي جعلتها معي أعطتني من الشجرة فأكلت".
سأل الله حواء: "ما هذا الذي فعلتِ؟"
أجابت حواء: "الحية أغرتني فأكلت".
نظر الرب إلى الحية وقال: "لأنكِ فعلتِ هذا ملعونة أنتِ من جميع البهائم... على بطنك تزحفين في التراب طول أيام حياتك. وأجعل عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك، وأنتِ تسحقين عقبه".
زحفت الحية متسللة بعيدًا وقد غطى التراب جلدها؛ فابتسمت حواء سعيدة، لأن الله عاقب الحية.
التفت الرب إلى حواء وقال: "لقد أخطأت وعصيتِي وصيتي، وأصغيتي إلى كذب الحية. لذلك فمن الآن تعرفين الألم عندما تلدين". والتفت أيضًا إلى آدم وقال له: "لقد أفسدت كل ما دبرته لك، لأنك لم تصغِ لوصيتي، لهذا يلزمك أن تخرج من الجنة، وتعمل بتعب، وتأكل بعرق جبينك. لن تكون الحياة بعد سهلة إنها مملوءة آلامًا. لن أراك بعد هنا. إنك تخرج وهناك تموت، لأنك من تراب وإلى تراب تعود... تعال الآن لأصنع لك ولزوجتك ملابس من الجلد، فلا تبقيان عريانين".
تسلل آدم وحواء من الجنة عقابًا لهما، وحزن الله إذ رأى آدم وحواء في مذلة وقد تغيرت حياتهما تمامًا. لقد عرف أن نسلهما يواجهان حياة مُرّة...
تطلع آدم وحواء وراءهما فرأيا ملاكًا عظيمًا يقف عند الباب يحمل سيفًا من نار فحزنا جدًا. لكن الله لم يفقدهما الرجاء، إذ بقى يحبهما جدًا. لقد وعدهما بمن يسحق رأس الحية، أي الشيطان؛ وعدهما إنه يرسل إليهما كلمته مولودًا من عذراء، أي من نسل المرأة. هذا هو الوعد بالمخلص...
لقد أرسل رجاله وأنبياءه يشهدون عن مجيء المخلص، حتى جاء بالحق ربنا يسوع المسيح، وردّ لنا كرامتنا، ووهبنا الخلاص، قائلاً:
"هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" يوحنا 3: 16.

الأنبا برسوم العريان‏‏



http://images.alanbabarsom.multiply.com/image/1/photos/1/500x500/113/406056918.jpg?et=hP8J4baSvRcXeQdrA9kv1w&nmid=61991732
http://www.windsorcopts.com/web_images/barsoum_the_naked.jpg
مرد الإبركسيس
شيرى بنيوت إثؤواف إنذيكيئوس آفا برسوم بى ريف فيش بى مينريت أنتى بى إخرستوس.




تمجيد القديس الأنبا برسوم العريان






ما هو هدفك فى الحياة


الكثيرون من الناس، لا يبالون بغاية حياتهم، بل يعيشون ضائعين. فهل فكرت مرة في هدف حياتك؟
جاء حفيد إلى جده مسروراً، وأخبره بنجاحه في الأمتحانات الثانوية العليا. فهنأه الجد بحرارة، وسأله: «والآن ما هي خطوتك التالية؟» فجاوبه: «أتابع أمنية قلبي، وأدخل الجامعة، لأنكب على التحصيل العلمي بشدة». فقال له الجد: «وبعد ذلك؟» فجاوبه الشاب: «أفوز بامتحانات الجامعة النهائية، وآخذ وظيفة عالية محترمة». وسأله الجد: «وبعدئذ؟» فأجاب: «أتزوج فتاة جميلة مهذبة، لأنني لست غبياً لأتزو ج أثناء الدارسة كالآخرين». «رائع جداً قال الجد، ولكن بعدئذ ماذا؟» أجاب الشاب: «أشتغل بقوة وببصيرة حادة، حتى أصير مشهوراً لامعاً». فقال الجد: «وبعد؟» أجابه: «بعدئذ أتقاعد، وأستريح، وأتمتع بالحياة». فكرر الجد السؤال: «وبعد؟» أجاب: «طبعاً لا نعيش إلى الأبد بل عليّ ألأن أودّع أهلي وأصدقائي وأموت» قال الجد: «وبعدئذ؟» فصمت الشاب قليلاً، وصارت عيناه كجمرتي نار، ثم أجاب: «أشكرك يا جدي الحنون، لأنك ذكرتني باكراً أن النجاح في هذه الحياة الدنيا، ليس هو كل شيء. لقد غفلت عن الأبدية بكرة سروري وفرحي. يا جدي الحكيم، تأكد أنك لم تذكرني وتنصحني باطلاً».
لعله قد مر بك مثلما مر بهذا الشاب، إن تفوز وتنجح بكل ميادين الحياة الدنيا، وتهمل المصير الأبدي. أتطمع وتجتهد، لتربح وتصل إلى هدف عال؟ ربما فكرت أن تجمع إرثاً لأولادك، أو كفالة لمستقبلك. هذا بديع. لا ريب. ولكن ماذا تصنع لو توفاك الله فجأة؟ ربما تقول لا حاجة بنا إلى مثل هذا التفكير الأسود. لأن المتشائمين يغرقون في حمامهم الأسود.
إن صاحب رأى وموقف كهذا، لهو قصير البصر. لأن الحياة نفسها محدودة، ولا بد أن تنتهي مهما طالت. لذلك فقد صلى النبي موسى الحكيم بمزموره التسعين بكلمته الشهيرة: «إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هكَذَا عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ» (مزمور 90: 12). وإنه لحكيم من يفتكر في نهايته، وغبي من لم يستعد لملاقاة الموت.
ذهبت لزيارة طالب جامعي أثناء مرضه في إحدى المستسفيات. ولما شاهدته قلت: «لا نعرف إن كان هذا الفراش الذي يضمك الآن هو الأخير هل فكرت في هذا؟» فأجابني مهتاجاً ساخطاً: «لقد درست المحاماة بتفوق، وأرغب النجاح في العالم». ولما أجبته «الموت لا يبالي بمثل أهدافك» حزن جداً وغضب لجرأتي في مصارحته. وبعد يومين اثنين فقط قرأت في الجريدة خبر وفاته. فقد انتقل من دار الأحياء إلى عالم الأموات. فيا عزيزي هل تعرف معنى الآية «إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هكَذَا عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ؟»
وقد قص المسيح علينا حادثة، أن مزارعاً من الوجهاء الذوات. ازدادت غلال أراضيه، إلى درحة أن مخازنه لم تعد تسعها. فطلب مهندساً لتخطيط بناء أكبر منها. ولما تمّ له ما أراد وملأ هذه المخازن بمؤنته وغلاته، استراح قائلاً في ليلته تلك: «يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي! فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟» (لوقا 12: 19 و20).
من يتجرأ، أن يكلم الوجيه المحترم بهذه الكلمات القاطعة؟ الله وحده. وقد سماه غبياً، لأنه نسي في نجاحاته الدنيوية الحياة الأبدية. وأما أنت فإنك لا تريد أن تكن مهملاً أحمق مثل هذا الغني الغبي، وتنسى نهايتك.
مثلك كالكثيرين في عصرنا، الذين يظنون أنه بالموت ينتهي كل شيء. لا، فإني أكلمك على أساس الكتاب المقدس الذي يعلمنا، أنه بالموت يبدأ الفصل الأخير.
أما الذي آمن بربه المسيح وكرسّ له حياته، فيبتدئ الحياة الأبدية في قربه ومجده؟ وسرّ هذه الحياة الأبدية، أنها مبتدأة اليوم في لحظة القبول. التي يعقبها غفران الخطايا. فمن دخل إلى شركة الحياة مع المسيح يتيقن: أنه أن مات فسينقل إلى المسيح، ويثبت فيه كل حين ويمكث في راحة مجده. أليس هذا هدف الأهداف، الذي يستحق أن نسعى نحوه؟
أما من عاش في دنيانا بدون المسيح وغفرانه ومات، فإنه يموت موت الأشرار، ويخلد في العذاب الأبدي. وقد فسر المسيح هذه الحالة، بالطرح في نار جهنم، حيث دودهم لا يموت ونارهم لا تُطفأ. و هناك يقع الخاطئ تحت تبكيت ضميره الذي يحاسبه على ذنوبه. فيصرخ الألوف مولولين: ليتنا قبلنا دعوة المسيح، وأتينا إليه، يا ليتني استمعت لهذا المنشور الصغير، الذي رسم هدف الحياة واضحة أمام عيني. لقد أهملت وقت النعمة وتخيلت رحمة ربي. لذلك أنا أتعذب في النار الكاوية.
أيها الأخ، إنك مسؤول لتختار هدف حياتك. هل تقبل إلى الخلاص السعيد عند المسيح، أو تسقط إلى هاوية العذاب والسعير؟ فنطلب إليك: اربح الوقت وتأمل فيما هو لسلامك، قبل نهايتك المحتومة. اهتم اهتماماً كاملاً بربك وحده. فلا تخاف من السؤال الهام: وبعد ذاك؟ بل تجيب بفرح: إن هدف حياتي هو ربي يسوع المسيح ولا شيء غيره.
هل يحيرك سؤال ما؟
إن كنت مضطرباً وحائراً في قضايا الإيمان، فاكتب لنا صريحاً، لنجاوبك على أسئلتك.

أحدث الموضوعات

From Coptic Books

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة من 10/2010