مختصر شرح سفر الرؤيا

+::+::+::+::+ مختصر شرح سفر الرؤيا +::+::+::+::+
==================================

مع تطبيقات على الأحداث التاريخية المعاصرة
--------------------------------------------------

« طوبى للذي يقرأ وللذين يسمعون أقوال هذه النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها لأن الوقت قريب »

(رؤيا1 :3).

------------------------
خادم الرب الأخ يوسف
------------------------

سفر الرؤيا، أو؛ « إعلان يسوع المسيح » ، هو سفر له جاذبية خاصة بين أسفار العهد القديم والجديد. يقدره كل الذين يحبون ربنا يسوع المسيح في عدم فساد، وينجذب إليه كل الشغوفين بهذه « الكلمة النبوية » ، الذين ينتبهون إليها « كما إلى سراج منير في موضع مظلم » (2بط1 :19) وكيف لا يكون ذلك؟ ألا يتضمن هذا السفر أربع مرات قول المسيح نفسه « أنا آتٍ سريعاً » ؟ سنري ونحن ندرس هذا السفر كم أصبح هذا اليوم « أقرب مما كان حين آمنا » (رو13 :11). « لأنه بعد قليل جداً سيأتي الآتي ولا يبطئ » (عب10 :37).

لكن هذا السفر له تلك الجاذبية الخاصة ليس فقط لأن لنا فيه الوعد بأننا سنري المسيح، بل لأننا فيه نري المسيح ممجداً، نراه « وعلي رأسه تيجان كثيرة » . فهذا السفر له تقديره العظيم ليس فقط من الذين يحبون الرب، بل بصفة خاصة من « الذين يحبون ظهوره أيضاً » (2تي 4 :8). تري أتوجد رغبة لدي القديس أكثر من أن يري سيده ظاهراً ومستعلناً بقوة ومجد كثير؟

وهذا السفر لا يقدم لنا المسيح الآتي فقط، ولا المسيح الممجد فحسب، بل المسيح المنتصر. إننا في هذا السفر نري نهاية الأمور، وهي بكل يقين أفضل من بدايتها. فالشر الذي اكتسح اليوم بلا ضوابط، والفساد الذي استشرى أو كاد، من بوسعه أن يضع حداً لهما سوي المسيح؟! نعم إنه سفر ثمين جداً على قلب كل قديسي العلي .

وعلي قدر ما نري اليوم يقرب تزداد الرغبة عند أولاد الله الأعزاء في كل طوائف المسيحية لدراسة النبوة. ولا جدال أن سفر الرؤيا هو من أهم الأسفار النبوية في كل الكتاب المقدس. لهذا فلا عجب أن يرد التطويب مرتين في هذا السفر؛ في فاتحته وفي خاتمته، للذين يسمعون أقوال نبوة هذا الكتاب، وللذين يحفظون ما هو مكتوب فيها، لأن الوقت قريب (رؤ1 : 3، 22 : 7).

لقد ظهرت تفسيرات كثيرة جداً لهذا السفر. بعضها كان نتاجاً لسنوات السبات، عندما جميع العذارى « نعسن .. ونمن » (مت25 :5)، وغاب الرجاء المسيحي تماماً عن الأذهان. لكن البعض الآخر من التفسيرات كان ثمرة الصرخة المدوية التي فعلت فعلها العجيب في كل المسيحية؛ صرخة نصف الليل « هوذا العريس مقبل فاخرجن للقائه » (مت25 :6). ومع هذا الفريق يقف مؤلف هذا الكتاب، فهو يؤمن تماماً أن التطبيق النبوي المستقبلي لهذا السفر هو التفسير الوحيد الكتابي والصحيح.

هذا السفر إذا يحتوي على أحداث مستقبلة، ومع ذلك فنحن لا نعتقد أنها بعيدة عنا. إننا نعايش الحوادث الختامية التي تسبق مجيء الرب مباشرة، بل نشاهد بعيوننا إعداد الشخصيات التي ستملأ مسرح الأحداث بعد الاختطاف كما سبق الكتاب المقدس وأنبأنا بها في كل النبوات، وبصفة خاصة سفر الرؤيا.

* * * *

الطبعة الأولى من هذا الكتاب ظهرت سنة 1977. وكان ذلك بعد دراسة متأنية لهذا السفر استغرقت سنتين كاملتين. ولقد رأي الأخوة أن يعاد تلخيص محتويات هذا السفر في محاضرات مركزة، فخرج هذا الكتاب، وكان في صورته الأولى لا يشتمل إلا على المحاضرات الست لشرح مجمل أفكار هذا السفر. لكن منذ أن انتهينا من هذه الدراسة ومن كتابة المذكرات في صورتها الأولى ونحن لم نكف عن دراسة هذا السفر. ولما نفذت طبعته الأولى أعيد طبعه بعد أربع سنوات، حيث أضيف إليه العديد من الأفكار لسد الثغرات التي ظهرت في المناقشات مع بعض المؤمنين في هذا السفر النفيس. ولقد تكررت الطبعة الثانية عدة مرات. لكني أخيراً شعرت بالاحتياج إلى عمل توسعات للمرة الثالثة في مادة هذا الكتاب، مع الإبقاء على شكله القديم في صورة محاضرات، وعمل ملحق آخر للكتاب بعنوان " تساؤلات خارج المحاضرات "

وبين يدي صاحب السفر أستودع هذا الشرح الموجز البسيط، كيما يستخدمه الرب بنعمته ليكون واسطة إنهاض لعواطف وأشواق القديسين، وبوق تحذير للمتغافلين المتهاونين، حتى إذا جاء سيدنا وقرع نفتح له للوقت. آمين.

أغسطس 1997

الأخ يوسف

محتويات الكتاب

مقدمة

محتويات الكتاب

نظرة عامة على سفر الرؤيا

ملاحظات تمهيدية

المحاضرات

1- ما رأيت وما هو كائن (ص1-3)

2- فتح السفر المختوم (ص4 - 7)

3- الأبواق السبعة (ص8 - 11)

4- السفر الصغير (ص12-16)

5- بابل، ما هي ؟ وما نهايتها؟ (ص17، 18)

6- الظهور - المُلك - الأبدية (ص19-22)

ملحق :

تساؤلات خارج المحاضرات

تذاييل :

1- رقم الوحش 666

2- الطريق نحو بابل العظيمة

3- ثروة الفاتيكان

4- ليل لا يكون هناك

ملاحظة :

روجعت النصوص الكتابية الواردة على أدق الترجمات؛ وفي مقدمتها ترجمة داربي . والجدير بالملاحظة أن النصوص الواردة حسب ترجمة داربي تظهر مائلة في الكتابة. ( هذا في نسخة الكتاب المطبوعة وليس في نسخة الإنترنت )

نظرة عامة على سفر الرؤيا

أهمية هذا السفر

يختلف هذا السفر عن باقي أسفار الوحي الأخرى في أمر هام؛ فيوحنا لم يتلقَ مادة هذا السفر بوحي من الروح القدس بالطريقة المعتادة، بل تلقاه بإعلان مباشر من الرب يسوع المسيح. واسم هذا السفر الذي أُعطي له بالوحي هو « إعلان يسوع المسيح » . وهذا الاسم في ذاته يؤكد لنا عكس ما يفكر به البعض أنه سفر غامض. كلا، ليس هو سفراً غامضاً، ولا هو سفراً مختوماً (ص22 :10)، بل هو إعلان يسوع المسيح.

وربما لم يَلقَ سفر في العهد الجديد، إن لم يكن في الكتاب المقدس كله، نظير ما لاقاه هذا السفر من الإهمال، كل هذا في الوقت الذي ينفرد فيه هذا السفر -ودون كل أسفار الوحي الأخرى - بتطويب ثلاثي في فاتحته؛ لمن يقرأ، ولمن يسمع، ولمن يحفظ المكتوب فيه. وكما يبدأ السفر بتطويب من يقرأه (1 :3) هكذا يختم أيضاً بتطويبه (22 :7).

من الذي يستفيد من هذا السفر؟

من الأعداد الأولى في هذا السفر يمكننا أن نجمع لأنفسنا بعض الدروس الأدبية التي تساعدنا على الاستفادة من هذا السفر العظيم.

فهذا السفر موجه لعبيد الرب (ع1)؛ أي لأولئك الذين كل اهتمامهم محصور في سيدهم وشئونه ومجده. ومن أهم مميزات العبيد الأمناء انتظار سيدهم الغائب. قال المسيح « طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين » . لمثل هؤلاء، وليس لأمثال العبد الرديء الذي يقول في قلبه « سيدي يبطئ قدومه » (لو12 :37،45)، يقدم الرب هذا السفر.

ثم إنه موجَه أيضاً لأولئك الذين لهم نصيب في ملكوت يسوع وصبره (ع9). فالذين يجتازون ظروفاً صعبة لشهادتهم وأمانتهم لسيدهم، يجدون لذة خاصة في معرفة متى يتمجد المسيح ويتمجد قديسوه معه. أما الذين ملكوا بدوننا (1كو4 :8)، فعادة لا يجدون أية لذة في سفر كهذا!

ثم ثالثاً، هو موجه للذين يعرفون أنهم غرباء ونزلاء على الأرض. هؤلاء هم المتلهفون للحبيب ويوقنون أن « الوقت قريب » ؛ طوبى لهم (ع3).

أما من يدرس هذا السفر لمجرد إشباع الفضول ومعرفة أحداث المستقبل فلن يستفيد حقاً منه.

وأخيراً يقول الرائي إنه عندما تلقي تلك الإعلانات العظيمة كان « في الروح في يوم الرب » ؛ اليوم الأول من الأسبوع. ونحن أيضاً، وإن لم يكن بوسعنا أن نكون فعلياً « في الروح » بالمعنى الذي كأنه يوحنا، فإنه يلزمنا أن نكون أدبياً وقلبياً في تلك الحالة وإلا فلن نتمتع بدروس هذا السفر النفيس.

طابع هذا السفر

سفر الرؤيا هو سفر نبوي (1 :3 و 22 :7، 10، 18، 19)، وبالتالي فإن التطبيق التاريخي لهذا السفر ليس صحيحاً.

والطابع العام المميز لهذا السفر هو القضاء والدينونة، تلك الدينونة المروعة التي ستنصب على العالم الرافض للمسيح بعد اختطاف الكنيسة. لكن الدينونة في هذا السفر، كما في كل الكتاب، ليست هدفاً في ذاته، بل هي وسيلة لهدف؛ يستخدمها الله لتنقية الأرض من الشر والأشرار لإعدادها لمُلك ربنا يسوع المسيح. وفي هذا قال رجل الله جون بلت : "الدينونة تنقي الكأس لكي يملأها المجد". وعليه فإن الرب الذي أُهين في هذا العالم، لابد أن يتمجد في نفس المشهد الذي فيه أُهين.

لكن وإن كانت الدينونة ليست هي هدف وغرض السفر، فإنها أيضاً ليست كل ما فيه. فهذا السفر يشير - ولو إشارات عابرة - إلى مركز الكنيسة السامي ؛ سواء في الحاضر (ص1 :5، 6)، أو في فترة الملك الألفي (ص21 :9-27)، أو في الأبدية (ص21 :1-8).

ثم أنه مليء أكثر من كل أسفار العهد الجديد بالتسبيحات، حتى أسماه أحد القديسين :كتاب تسبيحات العهد الجديد؛ التسبيحات المتزايدة في أصحاح 1 : 6 نجد تسبيحة ثنائية، وفي 4 : 11 تسبيحة ثلاثية، وفي 5 : 13 نجد تسبيحة رباعية، ثم في 7 : 12 نجد تسبيحة سباعية. .

كما أن كلمة " هللويا " لم ترد في كل العهد الجديد إلا في هذا السفر، حيث تذكر فيه 4 مرات في أصحاح 19. وليس فقط الهللويات بل فيه أيضاً نجد تطويبات سباعية (1 :3، 14 :13، 16 :15، 19 :9، 20 :6، 22 :7، 14).

ولا ننسي أن أول كلمة موجهة إلى الكنائس السبع هي « نعمة وسلام » . وآخر كلمة هي « نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميع القديسين » فما أمجد هذا؛ فحتى في مشهد الغضب والدينونة، من امتياز المؤمنين أن يتمتعوا بالنعمة والسلام!

مع كل هذا يظل الطابع القضائي هو الطابع الغالب على السفر. وتبعاً لذلك تُرى الكنيسة لا في امتيازاتها بل في مسئوليتها. لهذا لا يُذكر الاختطاف في هذا السفر صراحة، لأن الاختطاف كما يرى الكثير من الشراح أن العبارة التي وردت في رؤيا 12 : 5 تشير إشارة ضمنية إلى اختطاف الكنيسة.

والمسيح لا يُقال عنه اختطف بل صعد. فالقول إذاً أن الابن الذكر اختُطف إلى الله وإلى عرشه يتضمن اختطاف القديسين أنفسهم. وهو بلا شك أمر عميق المغزى أن يُري المسيح والكنيسة معاً؛ لا اثنين بعد بل واحداً. وهو نفس الاْمر الذي نجده في 1 كورنثوس 12 : 12 إذ يقول " كذلك المسيح أيضاً " مع أنه كان يشير إلى الكنيسة؛ إلى الجسد لا إلى الرأس! هو من أعمال النعمة وليس مرتبطاً بالمسئولية. ولذا نري في الأصحاح الأول مجيء الرب، لكن لا للكنيسة لاختطافها، بل للعالم للقضاء « هوذا يأتي ...وستنظره كل عين...وينوح عليه جميع قبائل الأرض » .

ولعله ملفت للنظر أن يستخدم الروح القدس يوحنا الحبيب، رسول المحبة، في كتابة هذا السفر المليء بالويلات المروعة التي ستنصب على الأرض. فيوحنا هو ذلك التلميذ الذي كان يسوع يحبه، والذي تحدث كثيراً عن المحبة سواء في إنجيله أو في رسائله، والذي نتيجة لشركته مع الرب كتب لنا عنه كمن أتي مملوءاً نعمة وحقاً. لكننا نراه هنا يتكلم عن أمر آخر، لا عن النعمة بل عن القضاء، ليس عن المسيح وهو هنا على الأرض كابن الله - كما في الإنجيل - بل وهو هناك في عرش الله كابن الإنسان، ليس عن المسيح كحمل الله الوديع (يو1 :29) بل كالأسد الذي من سبط يهوذا الخارج لينتقم لدمه ويدوس المعصرة وحده (رؤ5 :5، 14 :17-20). وهل من غرابة في هذا؟!

ألا يعلن الإنجيل أن « الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن لن يري حياة بل يمكث عليه غضب الله » (يو3 :36)؟! كثيرون من المبشرين بالأسف يُهملون جانب الدينونة ولا يكرزون إلا بالخلاص. لكن الدينونة هي النصف الآخر من الإنجيل الذي نكرز به « من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يُدن » (مر16 :16).

المسيح كالإنسان

يُذكَر الرب في هذا السفر كثيراً باسمه " يسوع "، إذ يتكرر هذا الاسم الجميل 14 مرة (2×7). ويبدأ السفر بالقول « إعلان يسوع المسيح » ويختم بصوت الرب قائلاً « أنا يسوع أرسلت ملاكي لأشهد لكم » . اسمه الحلو الذي عُرف به بين الناس لما عاش في الأرض هنا كإنسان كامل. وهذا السفر يقدم المسيح كالإنسان لسببين :

1- لأن الدينونة هي من أعماله كابن الإنسان، حيث أنه رُفض واحتقر من الإنسان بهذا الاعتبار، وهو ما يقوله يوحنا نفسه في يوحنا 5 :27 « وأعطاه سلطانا أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان » . ويقول بولس « الله... أقام يوماً هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عيّنه » (أع 17 :31).

2- ولأن الرب سيملك على العالم باعتباره " ابن الإنسان " « فإنه لملائكة لم يُخضع العالم العتيد (أي الملك الألفي ) » ؛ بل إنه أخضعه لابن الإنسان (عب2 :5- 8).

والأمران السابقان نجدهما مرتبطين معاً في متى 25 :31 « متى جاء ابن الإنسان في مجده... فحينئذ يجلس على كرسي مجده (كالملك) ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض (كالقاضي )... ثم يقول الملك للذين عن يمينه... الخ » .

اللغة الرمزية في السفر

من الأهمية بمكان أن نلاحظ أن لغة هذا السفر هي لغة رمزية. وهو ما يؤكده الروح القدس من الآية الأولى ، عندما يقول « يُري عبيده ما لابد أن يكون عن قريب، وبّينه... » . وكلمة " بّينه " تعني حرفياً أظهره بآيات. هذا يعطي الطابع العام لهذا السفر.

ويمكننا أن نري هذه اللغة الرمزية في أمثلة عديدة وواضحة جداً :

فمثلاً عندما يقول في أصحاح7 :14 « غسّلوا ثيابهم، وبيّضوا ثيابهم في دم الخروف » واضح هنا أنه لا يمكن أن يكون هذا الكلام حرفياً.

وعندما يقول في أصحاح 3 :17 « إنك أنت.. فقير وأعمي وعريان. أشير عليك أن تشتري مني ذهباً مصفي بالنار لكي تستغني ... وكحل عينك بكحل لكي تبصر » واضح هنا أيضاً أن هذا الكلام يستحيل أن يكون حرفياً. فكيف للفقير أن يشتري الذهب ليستغني ؟ وكيف لكحل العين أن يمنح البصر للأعمى؟!

أو عندما يُطلب من يوحنا في أصحاح 11 :1 أن يقيس هيكل الله والمذبح والساجدين فيه؛ قد يكون من السهل عليه أن يقيس الهيكل والمذبح، لكن كيف له أن يقيس الساجدين؟!

أو عندما يقول عن المدينة المقدسة إن سوقها (شارعها) من ذهب نقي شبه زجاج شفاف (21 :21)، هذا أيضاً لا يمكن أن يكون حرفياً.

ويصرح الوحي أحياناً بأنه يستخدم اللغة التصويرية عندما يقول مثلاً عن امرأة الخروف (أي الكنيسة) « أُعطيت أن تلبس بزاً نقياً بهياً؛ لأن البز هو تبررات القديسين » (19 :8).

ليس معنى ذلك أن كل ما ورد في السفر مجازي أو تصويري . هناك قاعدة تفسيرية هامة وهي أنه إذا كان المعنى الحرفي مقبولاً، فلا ينبغي أن نأخذ معنى آخر إلا إذا وجدت قرائن قوية تؤيد ذلك. وعليه فالجراد الذي له وجه الرجال لا يؤخذ حرفياً، وكذلك الوحش الصاعد من البحر في رؤيا 13. لكن الأسباط الاثني عشر في رؤيا 7 تؤخذ حرفياً.

راجع الملحق : تساؤلات خارج المحاضرات؛ السؤال رقم 9 في رؤيا 9

مساعدات لفهم السفر

لقد طلب الرسول بطرس من القديسين أن ينتبهوا إلى « الكلمة النبوية » وأن يدرسوها. وعندما يقول الرسول « الكلمة النبوية » فهذا يعني أنها وحدة واحدة، وأن النبوة تفسر بعضها بعضاً. بلغة إشعياء النبي « هنا قليل، هناك قليل » (إش28 :10). كما طلب الرسول بطرس أيضاً أن يعرفوا هذا أولا « أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص » (2بط1 :20). وكلمة أولاً تفيد أنه قبل دراسة النبوة يجب أن نفهم هذا الأمر جيداً؛ فبواسطته يمكننا أن نفسر كل ما يستشكل علينا فهمه، في ضوء باقي الأجزاء النبوية.

وبالنسبة لسفر الرؤيا بالذات من المهم أن نلاحظ أن السرد فيه ليس دائماً استطرادياً، بل إن الوحي يعود من آنٍ إلى آخر ليبرز أشياء رأي الروح القدس أنها تحتاج إلى المزيد من الضوء. ولعل أوضح مثالين على العودة من جديد لإلقاء المزيد من الضوء على بعض الموضوعات الهامة أن الرائي في رؤيا 11 بعد أن وصل إلى ملك المسيح، بل وإلى زمان الأموات لكي يدانوا (بعد الألف السنة- رؤ20 :11)، فإنه رجع في الأصحاح الثاني عشر ليعطينا تفصيلات أدق في موضوع سبق إيجازه. ثم في رؤيا 21 بعد أن وصل إلى عتبة الأبدية في الأعداد الأولى من الأصحاح، فإنه رجع في ع9 ليلقي المزيد من الضوء على وصف المدينة السماوية في الملك الألفي .

كما ونلاحظ أيضاً أن هذا السفر تتخلله أجزاء اعتراضيه ليست في سياق الحديث. وسوف نذكر هذه الأجزاء الاعتراضية بعد قليل لتسهيل فهمه.

التقسيم السباعي للسفر

للرقم سبعة مكان بارز في هذا السفر، يطبعه بصورة واضحة، كما سنلاحظ من دراستنا له. ويمكننا أن نلخص السفر كله في سبعة سباعيات كالآتي :

1- السبع الكنائس :وهي تعطينا وصفاً نبوياً رائعاً لكل فترة وجود الكنيسة هنا فوق الأرض (رؤ2، 3).

2- السبعة الختوم :وهي تعطينا وصفاً دقيقاً لأحداث فترة مبتدأ الأوجاع؛ أي الثلاث سنين ونصف الأولى من السبع الأخيرة لأسابيع دانيال السبعين (رؤ5- 8).

3- الأبواق السبعة :وهي تعطينا وصفاً لأحداث فترة الضيقة العظيمة؛ أي الثلاث والنصف الأخيرة لأسبوع دانيال السبعين (رؤ 8- 11).

4- الشخصيات السبع :التي ستلعب أهم الأدوار في السبع سنين الأخيرة لتاريخ أزمنة الأمم، ولأسابيع دانيال السبعين (رؤ12، 13).

5- الأحداث السبعة :وهو ما أسميناه في المحاضرات بالرد الإلهي السباعي على تحركات الشيطان والوحش والنبي الكذاب، في فترة الضيقة العظيمة (رؤ 14).

6- الجامات السبعة :مجموعة الضربات الأخيرة والخطيرة التي تسبق ظهور المسيح مباشرة (رؤ15، 16)

7- الدينونات السبع انظر نظرة عامة على سفر الرؤيا" ص14. :أحكام الرب ودينوناته المختلفة في الفترة المسماة « يوم الرب » بداية من دينونة بابل، ولغاية دينونة الأموات أمام العرش العظيم الأبيض (رؤ17- 20).

الأجزاء الاعتراضية في هذا السفر

يوجد في السفر أيضاً سبعة أجزاء اعتراضيه (كطابع السفر السباعي ) وهي كالآتي :

1- الجزء الاعتراضي الأول في أصحاح 7 ورد بين الختم السادس والختم السابع، ويدور حول المخلصين في فترة الضيقة العظيمة من إسرائيل ومن الأمم.

2- الجزء الاعتراضي الثاني في أصحاح 8 :3- 5 بين مقدمة الأبواق السبعة وبين بداية ضرب الأبواق، عن صلوات القديسين في السماء.

3- الجزء الاعتراضي الثالث من رؤيا10 :1 إلى 11 :13 بين البوق السادس والبوق السابع، ويتكون من جزأين أساسيين :السفر الصغير (ص10)، والشاهدين (ص11 :1-13).

4- الجزء الاعتراضي الرابع (وهو أطول الأجزاء الاعتراضية كلها) من رؤيا 11 :19 لغاية رؤيا 15 :4 ويقع بين مجموعة الأبواق ومجموعة الجامات، وهو يتكون من ثلاث آيات في السماء كالآتي .

الآية الأولى :المرأة وابنها الذكر (رؤ11 :19 - 12 :17).

الآية الثانية :الثالوث الأنجس (الشيطان والوحش والنبي الكذاب)، أو الوحوش الثلاثة. :

الشيطان : التنين (رؤ12 :3-17)

الوحش : الوحش الطالع من البحر (رؤ13 :1-10)

النبي الكذاب : الوحش الطالع من الآرض (رؤ13 :11-18)

ثم في أصحاح 14 يأتي الرد الإلهي السباعي على هذا العدوان الثلاثي

الآية الثالثة :الواقفون على البحر الناري (رؤ15 :1-4)

5- الجزء الاعتراضي الخامس :رؤيا 16 :13-16 ويقع بين الجام السادس والجام السابع (هرمجدون).

6- الجزء الاعتراضي السادس :رؤيا 17 :1 إلى 19 :10، بين آخر أحداث سني الضيقة وظهور المسيح بالمجد والقوة من السماء ويشتمل على فكرتين أساسيتين :

دينونة بابل :رؤيا 17، 18

هللويا السماء وعرس الحمل :رؤيا 19 :1 - 10

7- الجزء الاعتراضي السابع :رؤيا 21 :9 إلى 22 :5 بين آخر الأحداث التاريخية ووصولنا إلى الأبدية، وبين ختام السفر، وموضوعه الخروف وامرأته.

==================================

ما رأيت وما هو كائن
==============

القسم الاول
-------------------
الاصحاح من 1 : 3
---------------------

مقدمة للسفر، ونظرة شاملة لمشهد الرب كالقاضي في بيته « ما رأيت » . ونظرة شاملة أخري على الأحوال الداخلية للكنيسة عبر القرون المتتالية من بدايتها وحتى الاختطاف الذي صار قريباً جداً.

ص1 :مقدمة للسفر، ومنظر الرب كالقاضي « ما رأيت » .

ص2،3 :السبع الكنائس التي في أسيا، أو « ما هو كائن » .

ص2 :الكنائس الأربع الأولى

(أفسس، وسميرنا، وبرغامس، وثياتيرا).

ص3 :الكنائس الثلاث الأخيرة

(ساردس، وفيلادلفيا، ولاودكية)

أصحاح 1
=========

هذا السفر هو « إعلان يسوع المسيح » المعطي له من الله ليعطيه بدوره إلى عبيده، لا مباشرة بل بواسطة ملاكه لعبده يوحنا. وفي هذا نري الطابع القضائي لهذا السفر ممثلاً في الآتي :

1- المسيح يُري كإنسان يأخذ الإعلان من الله؛ وباعتباره الإنسان هو يقضي .

2- المؤمنون يُرون لا كأعضاء جسد المسيح بل كعبيده المسئولين أمامه.

3- استخدام الملاك كواسطة لتسليم الإعلان، ولم يسلمه المسيح مباشرة كما نجد في الرسائل (1كو11 :23). وحيث ترد خدمة الملائكة فهي ترتبط غالباً بخدمة الدينونة (تك19 :1-15، أع7 :53، غل3 :19، عب2 :3).

4- حتى يوحنا لا يقال عنه إنه الحبيب، بل « عبده يوحنا » .

ومع ذلك فإنه يفتتح بتوجيه النعمة والسلام من الله في ثالوث أقانيمه؛ الكائن والذي كان والذي يأتي ، ومن السبعة الأرواح التي أمام عرشه، ومن يسوع المسيح.

لا يُذكر لنا هنا اسم الآب لأننا بصفة عامة لا نجد في هذا السفر امتيازات المؤمنين؛ والبنوة من أعظم امتيازاتهم. والروح هنا لا يُري كالروح الواحد، تماماً كما لا تُري الكنيسة في امتياز الجسد الواحد، بل سنري بعد قليل الكنيسة مشبهة بمنائر سبع، وهنا الروح يقال عنه « السبعة الأرواح التي أمام عرشه » .

أما المسيح فيوصف هنا في صفات ثلاثية، باعتباره الشاهد الأمين، والبكر من الأموات، ورئيس ملوك الأرض. ففي حياته على الأرض كان هو « الشاهد الأمين » ، وهو في هذا في مفارقة مع المسيحية الاسمية غير الأمينة والتي فشلت في شهادتها. لكن أمانته في الشهادة كلفته حياته نفسها.

لكنه أيضاً « البكر من الأموات » ، إذ قام كأول المقامين دون ذرة من الفساد. وباعتباره المقام من الأموات فإنه سيدين المسكونة بالعدل (أع17 :31).

ثم يقول « رئيس ملوك الأرض » ومع أنه لم يشغل هذه الوظيفة بعد، فهو الآن على عرش أبيه في السماء، لكن جلوسه في عرش أبيه في الوقت الحاضر ليس من ضمن إعلانات سفر الرؤيا، ولهذا فإن يوحنا يقرن القيامة بمجد الملك الألفي مباشرة.

في الماضي :هو الشاهد الأمين.

وفي الحاضر :هو البكر من الأموات.

وفي المستقبل :هو رئيس ملوك الأرض.

وهو في هذا يشغل وظائف النبي والكاهن والملك على التوالي .

لكن ما جذب قلوب المؤمنين للسجود لم تكن أمجاد الرب الأدبية أو الوظيفية، بل محبته الفدائية، فجاءت أغنية السجود العذبة في صدر هذا السفر القضائي ، وكأنها « ترنيمة محبة » للذي « يحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكا وكهنة لله أبيه »

ما أجمل أن يُذكر في بداية هذا السفر أن الممسك بالصولجان هو الذي يحبنا. حقا « له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين »

ثم يقول « هوذا يأتي مع السحاب، وستنظره كل عين (أي كل العالم)، وينوح عليه جميع قبائل الأرض (أي اليهود هذا الاقتباس من زكريا 12 : 10-14 حيث نفهم أن المقصود بكلمة الأرض هو الأرض النبوية. فالذي سينوح هو شعبه الأرضي (أي اليهود) بعد عمل الروح القدس فيهم، توبة عن خطية صلب ابن الله. ) » والكلام هنا ليس عن الاختطاف بل عن الظهور. وبينما يقترن الاختطاف بالفرح والهتاف، « لأن الرب نفسه بهتاف.. سوف ينزل من السماء » (1تس4 :16)، فإن الاستعلان سيقترن ليس بالأفراح لكن بالنواح؛ نواح عمومي ، ونواح فردي (زك12 :10-14).

* * * *

في جزيرة بطمس كلمة بطمس من مصدر كلمة تعني الدوس بالأقدام أو المعاناة، وكم يعاني الذين يريدون الشهادة للمسيح في هذا العالم! وكم يداسون كثيراً تحت الأقدام!، وهي جزيرة صخرية مجدبة تقع في بحر إيجة، بين اليونان وتركيا، وتتبع حالياً تركيا، وكان أخطر المجرمين ينفون إليها ليعملوا في مناجمها، نفي يوحنا الحبيب الشيخ إلى هناك أيضاً، لا لجرم ارتكبه بل « من أجل كلمة الله، ومن أجل شهادة يسوع المسيح » وفي أحد أيام الأحد، الذي يسمي هنا« اليوم الرباني » ،امتلك الروح القدس كيان يوحنا بالتمام، استلم عينيه وأذنيه وفكره فصار في الروح. هذا معنى قوله « صرت في الروح » وإذ ذاك رأي يوحنا مشهد الرب، شبه ابن إنسان تعبير ابن الإنسان ورد في كتابات يوحنا 14 مرة (2× 7) ؛ في إنجيله 12 مرة وفي سفر الرؤيا مرتين. والمرتان في سفر الرؤيا مرتبطتان بالدينونة؛ الأولى هنا بالارتباط بالدينونة في بيته، والثانية في 14 : 14 بالارتباط بدينونة العالم أجمع. ولقد وردت هذه الكلمة في الأناجيل الأربعة 84 مرة (7× 12)، اختص يوحنا من هذه السباعية في الإنجيل بواحدة. في وسط سبع مناير ذهبية.

ومنظر الرب كابن الإنسان الذي رآه فيه يوحنا يرسم أمامنا شخصه الكريم في صفتين متباينتين :الأولى كالقاضي ؛ وهذا نراه في شعره الأبيض باعتبار أنه القديم الأيام (دا7 :9)، وعينيه اللتين كلهيب نار أي تفحصان الأعماق، ورجليه اللتين كالنحاس النحاس يشير في الكتاب المقدس إلى البر الإلهي في التعامل مع الإنسان كمسئول. المحمي في أتون، إشارة إلى العدل والحق (مز97 :2)، وصوته الذي كصوت مياه كثيرة، رمز الجلال (حز1 :24). والسيف الماضي الذي يخرج من فمه، صورة لفعل كلمته في النفوس (عب4 :12)، ووجهه المضي ء كالشمس (مت17 :2)! لأن الرب إن كان يُري في هذا السفر كالقاضي فهو أولا قاض على بيته « لأنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله » (1 بط4 :17، انظر أيضاً حز9 :6).

والصفة الثانية كرئيس الكهنة؛ وهذا نراه في ثوبه الذي إلى الرجلين، والمنطقة من ذهب تشير إلى البر الإلهي والأمانة (إش11 : 5). التي عند ثدييه، إشارة إلى أن خدمته لنا نابعة من قلبه المحب « إني كل من أحبه أوبخه وأؤدبه » (رؤ3 :19)، وفي السبعة الكواكب التي في يده اليمني ، فليست فقط محبته لنا بل أيضاً قوته لحسابنا. فهو لا يقضي علينا فحسب، بل يرثي أيضاً لنا ويعين ضعفاتنا. « من ثَمَّ كان ينبغي أن يُشبه إخوته في كل شئ لكي يكون رئيس كهنة رحيماً » (عب2 :17).

والفكران السابقان :أعني الرب كالقاضي وكرئيس الكهنة، نجدهما معاً في قول موسى « لأن الرب يدين شعبه وعلي عبيده يشفق » (تث32 :36). وهو نفس ما نراه في خطابات الرب إلى السبع الكنائس (أصحاح2،3) فهو أولاً يبدأ كرئيس الكهنة، ولكل كنيسة يقدم أولاً التشجيع والمديح إذ يقول « أنا عارف » .. « تعبك » أو « ضيقتك » أو « أين تسكن » أو « أن أعمالك الأخيرة أكثر من الأولى » ، لكنه أيضاً كالقاضي يقول « ولكن عندي عليك » - أو بتعبير أدق « عندي ضدك » . فكرئيس الكهنة يرثي ، وكالقاضي يحكم.

والمسيح الذي يحضر في وسط الكنيسة ليبارك ويعزي (عب2 :12، مت18 :20) نراه هنا في وسط الكنائس يحكم ويقضي . ولا ينبغي قط أن نستهين بذلك، فإن يوحنا، بكل ما له من ألفة ودالة على المسيح، لما رأي المسيح في هذه الصورة سقط عند رجليه كميت من رهبة ما رأي . لكن الرب وضع يده اليمني عليه قائلا له « لا تخف » وبني ذلك على هذه الثلاثية :

1- من هو : « أنا هو الأول والآخر » .

2- ماذا فعل : « كنت ميتاً وهو أنا حي إلى أبد الآبدين » .

3- ماذا يملك : « لي مفاتيح الموت والهاوية » .

وما أجمل أن اليد التي تمسك الكواكب السبعة دنت لتشجيع يوحنا المرتعب، والصوت الـذي كصـوت المياه الكثيرة قــال لا تخف، ثم ذكر لـه هذه الثلاثية الرائعة :ثلاثية تحدثنا عن شخصه، وعمله، وقوته. أو بالحري عن لاهوته ونعمته وسلطانه.

* * * *

ولقد طلب الرب من يوحنا أن « اكتب ما رأيت وما هو كائن وما هو عتيد أن يكون بعد هذا » (ع19) -هذه الأقوال تعتبر مفتاح السفر ومنها نعرف أن السفر ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة :

1 - مارآه يوحنا :أي منظر الرب كابن الإنسان وسط السبع المناير الذهبية، وسط الكنائس. لقد كانت الحالة ميئوساً منها، حتى أن يوحنا نفسه أعطي ظهره للكنائس بدليل أنه سمع من ورائه صوتاً عظيماً، ولما التفت هذه العبارة "التفت" ترد في ترجمة داربي الإنجليزية هكذا Turned back . ويري البعض في هذه العبارة تلميحاً إلى العودة ثانية إلى جو العهد القديم من جهة الأسلوب النبوي ، ودائرة المشغولية بالأرض، والطابع القضائي الانتقامي ، وألقاب الله في السفر... منظر الرب وسط السبع المناير الذهبية.

لماذا كان يوحنا معطياً ظهره للكنائس السبع؟ لأن يوحنا عاش آخر الرسل حيث كانت الحالة قد ساءت جداً كما نري ذلك على سبيل المثال في آخر رسالة كتبها الرسول بولس؛ وهي رسالة تيموثاوس الثانية. ولقد كان يوحنا يائساً مما وصلت إليه حالة الكنيسة، لكنه لما التفت ونظر، رأي شخصا آخر لم يفارق مكانه في وسط السبع الكنائس. فإن كان تحول يوحنا عن الكنيسة يتناسب أدبياً مع تحولها عن سيدها، فلقد كان يحتاج أن يلتفت ثانية ليري عدم تحول سيدها عنها. فرغم عدم أمانة الكنيسة يظل سيدنا أميناً. فيالها من تعزية قوية!

في أيام موسى ، أيام الحالة التعسة لشعب الله في مصر، كانت العليقة صورة لوجود الرب وسط شعبه. هكذا الرب يسوع هنا. وهو موضوع الأصحاح الأول.

2 - ما هو كائن :وهو رحلة الكنيسة فوق الأرض من الأول للآخر مرسومة أمامنا كما سنري بعد قليل في اْصحاحي 2، 3.

3 - ما هوعتيد أن يكون بعد هذا :وهو صلب النبوة، من أصحاح 4 إلى الآخر. وهي أحداث ستحدث بعد اختطاف الكنيسة وأخذها من الأرض، كما سنري في حينه.

وسطَ المنائر يمشي سيدنا الجليل تلك المنائر تحكي قصةَ رحلةٍ إن طال دربُها أو تعثر خطوها إن حالَ كدُّ السيرِ دون وفائها *

*وسيمشي حتى ينتهي الدربُ الطويل بدأت، وتدوي الآن أجراس الوصول حالاً يمد العون يهدي لها السبيل ما كان قلبه عن محبتها يحوُل - لنعد إلى ما رآه يوحنا وسجله في الأصحاح الأول.

لقد رأي الرب في وسط السبع المناير، ممسكاً في يده اليمني سبعة كواكب. وهذا سر فسره الرب بقوله « السبعة الكواكب هي ملائكة السبع الكنائس، والمناير السبع التي رأيتهي السبع الكنائس » .

أصحاح 1 و 2

أصحاح 1،
=======
إن الرسائل دائماً تحدثنا عن كنيسة واحدة كما عن روح واحد؛ أما في هذا السفر فنجد سبعة أرواح الله وأيضاً سبع كنائس. فمن ناحية المقام « جسد واحد وروح واحد » (أف4 :4)، وهذا مجاله الرسائل لا سفر الرؤيا، أما سفر الرؤيا فيحدثنا عن مسئولية الشهادة على الأرض وإظهار نور الروح القدس خلال ليل غياب الرب. ولهذا نجد سبعة أرواح الله وسبع كنائس (أو مناير).

لكن تري ماهي تلك المناير؟ ومن هم ملائكة الكنائس الممثلون هنا بالسبعة الكواكب؟ إننا بهذا السؤال نأتي إلى واحدة من نقاط الاختلاف بين المفسرين. لذلك دعنا نحاول قدر المستطاع بمساعدة روح الله أن نحل هذه الصعوبة. ومبدئياً نلاحظ أن المنارة والكوكب يتفقان في أنهما ينقلان ويعكسان نوراً ليس بالطبيعة فيهما، مع فارق أن المنارة تكون على الأرض أما الكوكب فمكانه في السماء. المنارة التي فسرها الرب بأنها الكنيسة، يخبو نورها أحياناً، أما الكوكب الذي فسره الرب بأنه ملاك الكنيسة فنوره ثابت.

ثم إننا نلاحظ أيضاً أن الكواكب إن ذاك الذي قديسوه في يده كالكواكب، يُقال عنه بعد ذلك مباشرة إن وجهه يضئ كالشمس (1 : 16). وعليه فيمكننا بصدق أن نقول له : فإنك شمس والملوك كواكب! والملوك هنا هم القديسون باعتبار أنه هو ملك الملوك. في يمين الرب، أما المناير فليست في يده بل هو في وسطها، يراقب أحوالها، ونحن نعرف أن الذين في يد الرب لا يقدر أحد أن يخطفهم منه. أما بالنسبة للمنارة فالرب نفسه يقول « تب... وإلا فإني آتيك وأزحزح منارتك من مكانها إن لم تتب » هذا ما سيحدث بصورة كلية عندما يأتي المسيح ويأخذ المؤمنين، ويصبح مصير مجرد المعترفين هو نفس مصير العبد الردي ء « هناك يكون البكاء وصرير الأسنان » (مت24 :45-51).

إذا عرفنا أيضاً أن كلمة ملاك تعني رسولاً، وأن الرسول عادة يمثل من أرسله، فإنه يمكننا القول إن ملاك الكنيسة ليس شخصاً أو أشخاصاً بعينهم، بل هو شخصية اعتبارية، يصور لنا من يمثل الكنيسة أمام الله بحيث أنها تخاطب في شخصه، وإليه توجه كلمات التشجيع والمديح، وكذلك كلمات التوبيخ والإنذار.

من كل ما سبق يمكننا القول إن المنارة هي صورة الكنيسة على الأرض، والكوكب هو صورتها الإلهية. بمعنى أن المنارة هي الصورة التي يظهر بها كل المعترفين بالمسيح أمام العالم، والكوكب يمثل الصورة التي يراها الله للكنيسة. لذلك نجد أن الخطاب موجه إلى « ملاك الكنيسة » فالرب لا يخاطب مجرد المعترفين بل إن الخراف هي التي تسمع صوته (يو10 :3).

وعندما خاطب الرب ملاك كنيسة سميرنا قائلاً « هوذا إبليس مزمع أن يلقي بعضاً منكم في السجن لكي تجربوا » (2 :10)، لم يكن أصحاب المواهب دون سواهم المقصودين، ولا كان المسئولون في الجماعة فقط هم الذين تعرضوا للاضطهاد، بل كل المؤمنين الأمناء. ونفس الأمر نجده في قول الرب في خطابه لملاك كنيسة ثياتيرا « أقول لكم أيها الباقون في ثياتيرا كل الذين ليس لهم هذا التعليم والذين لم يعرفوا أعماق الشيطان » (2 :24)، فواضح هنا أيضاً أن الملاك يمثل كل المؤمنين.

علي أنه إن كان المسيح يتكلم إلى المؤمنين الحقيقيين، إلا أن مجرد المعترفين بالمسيح أيضاً أصبحوا تحت مسئولية السمع والعمل، لهذا يختم كل خطاب بالقول « من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس » فالمعترفون فقط شأنهم شأن العبد الردي ء الذي أخذ الوزنة ولفها في منديل وطمرها في الأرض؛ هل يقدر أن يدعي أنه لم يأخذ شيئا من الرب؟! كلا، وهكذا هنا أيضاً « من له أذن فليسمع » فكل من يحمل اسم المسيح أصبح مسئولاً ليسمع ما يقوله الروح للكنائس لاحظ أنه ليس ما تقوله الكنيسة للفرد هو المطلوب الاستماع إليه. ولا نجد إطلاقا في الكتاب ما يفيد أن الكنيسة تُعلِّم، بل إنها تتعلم. هناك مسئولية شخصية على كل مسيحي - حتى لو حاول الآن أن يتنصل منها بأي عذر - لأن يستمع لما يقوله الروح للكنائس. .
================================

ما رأيت وما هو كائن
==============

القسم الثاني
-----------------

الاصحاح 2 و 3
-------------------

أصحاح 2
--------------
لقد سجل الرسول بولس، " خادم الكنيسة " (كو1 :25)، الحق الخاص بالكنيسة، في رسائل وجهها إلى سبع كنائس (هي رومية، وكورنثوس، وغلاطية، وأفسس، وفيلبي ، وكولوسي ، وتسالونيكي ). أما الرسول يوحنا فسجل لنا رحلة الكنيسة على الأرض في خطابات وجهها إلى سبع كنائس انظر الملحق؛ السؤال الأول. ونلاحظ أن الرقم سبعة هو رقم الكمال في الكتاب المقدس ويدل على كمال أفكار الله من جهة أمر معين. أيضاً، كانت موجودة في أسيا الصغرى ، وهي كنائس أفسس، وسميرنا، وبرغامس، وثياتيرا، وساردس، وفيلادلفيا، ولاودكية. هذه الكنائس تتفق حالتها تماماً، وبنفس الترتيب مع الأدوار المختلفة التي مرت بها الكنيسة من البداية إلى النهاية كالآتي :

1) أفسس: طابعها خدمة بلا محبة

فمع أنها تتميز بوفرة النشاط والخدمة، وعدم احتمال الأشرار، وكشف الرسل المزورين (أوالمدعين بالخلافة الرسولية)، وبغضة أعمال النيقولاويين ذكر المعلم المسيحي الشهير إيريناوس (نحو عام 200 م) أن النقولاويين هم جماعة فاسدة داخل المسيحية مارست الزنى وأكل ما ذبح للأوثان. وسار على دربه باقي المعلمين واعتبروهم أولئك الفجار الذين «يحولون نعمة إلهنا إلى الدعارة» (يه 4). لكن اعتباراً من القرن الثامن عشر اقتنع المعلمون بأن كلمة نيقولاوس هي ترجمة يونانية للاسم العبري بلعام، وكلاهما يترجم بالعربية «انتصر على الشعب». فكلمة النيقولاويين إذا تعني المتسلطين على الشعب، وتعتبر إشارة إلى طبقة الإكليروس. الذين تسلطوا على شعب الله، لكن نري بداية الانحراف، بل التحول الرهيب والسقوط المريع في تركها المحبة الأولى .

2) سميرنا: طابعها الضيق لأجل اسمه

ولوأننا فيها أيضاً نري بداية محاولة إدخال التعاليم اليهودية والمبادئ الطقسية إلى المسيحية من الداخل، كما ونري الاضطهاد العنيف عليهم من الخارج. في الأولى نجد الشيطان الماكر، وفي الثانية نجد إبليس كأسد زائر. وفي هذه الكنيسة لا يوجد لفيف كلمة " لفيف " تعني ما اجتمع من الناس من قبائل شتى . وقد وردت في الكتاب المقدس مرتين عن جماعة ليست من الأمة الاسرائيلية التصقت ببني إسرائيل وخرجت معهم من مصر وسببت لهم في البرية متاعب (خر12 : 38، عد11 : 4).، فحيث نيران التجارب الممحصة يختفي اللفيف.

3) برغامس: المنزلق الخطر

نجد الأمانة في التمسك بالإيمان القويم رغم المقاومات (أنتيباس الشهيد الأمين معنى اسمه " الكل ضده " ). لكن الحالة العامة رديئة، فملاك هذه الكنيسة يسكن حيث كرسي الشيطان. وهناك من يحبون الخدمة الدينية لأجل المنفعة كبلعام، مضحين بمصالح شعب الله في سبيل مصالحهم. كما أن مبدأ الرئاسة على الشعب قد رسخ فتحولت «أعمال النيقولاويين»(ع6) إلى «تعليم النيقولاويين»(ع15). وما أردأ أن يجتمع بلعام والنيقولاويون معاً؛ أعني الربح القبيح والرئاسة على قطيع الرب. يقول الرسول بطرس للشيوخ «أرعوا رعية الله التي بينكم نظاراً.. لا لربح قبيح بل بنشاط، ولا كمن يسود على الأنصبة بل صائرين أمثلة للرعية »(1بط2 :5،3).

4) ثياتيرا: الارتداد المريع والبقية الأمينة

فنجد في هذه الكنيسة أمانة عظيمة من أفراد كثيرين، ونجد أعمالاً كثيرة ومحبة. لكن الحالة العامة خطيرة ومخيفة. وإيزابل التي كان لها أسوأ الأدوار في تاريخ مملكة إسرائيل (1مل16-2مل9)، إيزابل هذه مضطهدة أنبياء الرب، والتي على مائدتها كان يأكل أنبياء البعل عادت إلى الظهور روحياً، وللأسف لها اليد الطولى ، فهي تقول إنها نبية؛ أي أن كلامها هو كلام الله، مع أنها تغوي عبيد الرب على العبادة الوثنية (عبادة البشر والملائكة، عبادة الصور والتماثيل)، كما أنها شجعت دخول الخرافات والأسرار الدينية، التي تميز العبادات الوثنية، إلى المسيحية. والرب تأنى عليها بلا نتيجة. لذا يتوعد الرب إيزابل وأولادها بالضيقة العظيمة، كما يحول خطابه إلى الباقين ويشجعهم بقرب مجيئه. وهي الإشارة الأولى في خطاب الرب للكنائس عن مجيئه.

5) ساردس: مظهر بلا جوهر

صورة التقوى مع إنكار قوتها، واسم بأنه حي وهو ميت. والأعمال ما أردأها. فرغم أنه أخذ وسمع فإنه -بالأسف- لم يستفد. ولهذا فإن الرب سيعامله في مجيئه إليه كما سيعامل العالم «أقدم عليك كلص ولا تعلم أية ساعة أقدم عليك»

6) فيلادلفيا: تشجيع بلا توبيخ

صورة مباركة، إذ أن كل شي ء مرتبط باسم الرب وبكلمته. ورغم أن القوة يسيرة، لكن سرور الرب بهذه الكنيسة لا حد له. ولا نجد توبيخاً مطلقاً، بل الرب يدافع عنها أمام القائلين إنهم يهود وليسوا يهوداً.

7) لاودكية: الفتور الروحي المقيت

طابعها الاعتداد بالذات، والافتخار، والشعور بالاكتفاء الذاتي ، وعدم الاحتياج حتى للمسيح. فالرب يري في هذه الكنيسة -وياللأسف- واقفاً خارج الباب يقرع. وهذه صورة ليست لناكري المسيح علناً، بل للمدعين بأنهم مسيحيون لكن بدون المسيح فعلا «فاتر ولست بارداً ولاحاراً» والرب مزمع أن يتقيأه من فمه.

وبمقارنة الكنائس السبع معاً نجد أمرين :

أولا : نمو وازدياد الشر مع تتابع الكنائس :

ففي كنيسة أفسس نجد أعمال النيقولاويين، والملاك يبغض هذه الأعمال. لكن في كنيسة سميرنا لا ذكر لهذه البغضة. وهذا أفسح المجال في كنيسة برغامس إلى أن يتحول أمر النيقولاويين من مجرد تصرف لبعض الأفراد إلى وضع مستقر وثابت، وهو ما يسميه الوحي «تعليم النيقولاويين»؛ فأصبح هناك بالفعل طبقة مميزة عن باقي الجماعة، أعني بها طبقة الاكليروس. واقترن مع هذا أيضاً تعليم بلعام الذي شجع على الأكل من الذبائح الوثنية والزنى من أجل الربح القبيح. أما في الكنيسة التالية فلا نجد فقط «قوماً متمسكين بتعليم بلعام» بل نجد نشاطاً شريراً إيجابياً، مع تسيب في الحالة العامة «تسيب المرأة إيزابل... حتى تعلم وتغوي ».

في سميرنا نجد تعبير «القائلين إنهم يهود وليسوا يهوداً، بل هم مجمع الشيطان» أي أن الشيطان وجد مقراً لرِجله في هذه الكنيسة. بينما في برغامس نجده يثبت عرشه فيها «تسكن حيث عرش الشيطان»، وأيضاً «حيث يسكن الشيطان» فليس أن الشيطان استضاف نفسه في الكنيسة، بل أنه استضاف الكنيسة في بيته. لكن في ثياتيرا نجد «أعماق الشيطان»!

ثانيا :تضاؤل الأمانة والأمناء مع تتابع الكنائس أيضاً :

ففي أفسس نجد القول «جربت القائلين إنهم رسل وليسوا رسلاً فوجدتهم كاذبين»، وأيضاً «إنك تبغض أعمال النيقولاويين التي أبغضها أنا» هذه البغضة لم تعد موجودة كما ذكرنا في سميرنا. فإذا وصلنا إلى كنيسة برغامس نجد أن البغضة بالأسف موجهة إلى الأمناء لا إلى أعمال النيقولاويين الذين رسخت أقدامهم. لذا يرد القول «أنتيباس شهيدي الأمين الذي قُتل عندكم حيث الشيطان يسكن».. على أن الصورة تزداد قتاماً في ثياتيرا، إذ نجد أن الأشرار أصبحوا فيها هم القاعدة، وبلغة الرب في المثل الرابع من أمثال ملكوت السماوات هناك تطابق جميل بين أمثال ملكوت السماوات السبعة في متى 13، وبين خطابات الرب لملائكة الكنائس السبع في رؤيا 2،3. «اختمر العجين كله»(مت13 :33)، فأصبح الأمناء هم الاستثناء. لذلك يتغير وضع النداء ابتداء من هذه الكنيسة؛ فيأتي القول «من له أذن فليسمع» بعد القول «من يغلب»، فلا أمل يرجي من الوضع العام.

لم ينته الأمر عند هذا الحد بل إنه حتى هذه البقية في تناقص مستمر! ففي ثياتيرا يوبخ الرب ملاك الكنيسة لأنه يسيب المرأة إيزابل، ثم يوجه كلامه إلى البقية «أقول لكم أيها الباقون في ثياتيرا كل الذين ليس لهم هذا التعليم ولم يعرفوا أعماق الشيطان» فالباقون هنا هم عدد لايستهان به.

أما في كنيسة ساردس فيقول عن البقية «عندك أسماء قليلة في ساردس لم ينجسوا ثيابهم»

أما كنيسة فيلادلفيا فالمؤمنون هناك هم أنفسهم البقية التي لها قوة يسيرة. وما أمجد الوصف الذي توصف به! وما أعظم سرور الله بها! ولكن إذ نصل إلى كنيسة اللاودكيين فإن البقية تتناقص إلى واحد، حيث الأمانة فردية «إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه»

التطبيق النبوي

وتطبيق هذه الكنائس السبع على الأدوار التي مرت بها الكنيسة خلال رحلتها فوق الأرض انظر كتاب " رحلة الكنيسة " للمؤلف. واضح جداً.

فكنيسة أفسس (وأفسس كلمة يونانية تعني محبوبة أو مشتهاة) تعطينا صورة العصر الرسولي وما تلاه مباشرة، حيث بدأ التحول والانحراف كما نقرأ في كثير من الرسائل، واستمر ذلك الدور لنحو عام 167م.

وكنيسة سميرنا (وكلمة سميرنا تعني مُر) تعطينا صورة لعصور الاستشهاد التي استمرت حتى سنة 313م وصدرت خلالها عشرة مراسيم اضطهاد قاسية هذه المراسيم هي كالآتي :

نيرون سنة 54
دومتيان سنة 81
تراجان سنة 98
انطونيوس سنة 117
سيفيروس 195
ماكسيمين سنة 235
ديسيوس سنة 249
فاليريان سنة 254
أورليان سنة 270
دقلديانوس سنة 284
(واستمر هذا المرسوم الأخير عشرة سنوات) ، (الأمر الذي يشار إليه بالقول «يكون لكم ضيق عشرة أيام مدلول آخر للضيق " عشرة أيام " ؛ أي على قدر احتمال الإنسان، كمدلول الرقم 10 (قارن 1كو10 : 13). والعشرة الأيام تعبير يستخدم أحياناً عن قصر المدة (تك24 : 55، دا1 : 12).» وانتهت هذه الفترة باعتناق الامبراطور قسطنطين الكبير المسيحية.

وكنيسة برغامس (ومعناها زواج بالإرغام) :تعطينا صورة لتحول الامبراطورية الرومانية إلى المسيحية اعتباراً من عصر قسطنطين (نحو 313م)، ثم ظهور الضلالات المختلفة أهمها بدعة أريوس الني تمس لاهوت المسيح، وتصدي الأمناء لذلك على رأسهم أثناسيوس الاسكندري وذلك في مجمع نيقية الذي عقد سنة 325 م، ذلك الدور الذي استمر إلى أوائل القرن السابع الميلادي تقريباً.

وكنيسة ثياتيرا (ومعناها مكتسية بالذبيحة) :تصور لنا العصور المظلمة عندما تسلطت البابوية بعنف على الناس وادعي البابوات الرئاسة والعصمة ابتداء من أواخر القرن السادس، ودخلت في ركاب البابوية شرور وبدع غريبة تماماً عن المسيحية. إن من يقرأ تاريخ الكنيسة ستأخذه الدهشة والعجب كيف مبكراً جداً غزت الوثنية الكنيسة، وكيف بعض ممن يسمون آباء الكنيسة دافعوا عن ذلك! وهذا الدور مستمر إلى مجيء المسيح، وينتظره بعد ذلك «الضيقة العظيمة»(رؤ2 :22).

ثم كنيسة ساردس (ومعناها بقية) :تصور لنا تاريخ المسيحية المحزن عندما دخلت البروتستانتية في المشهد بعد حركة الإصلاح المباركة. فساردس لا تمثل الإصلاح الذي حدث في أوائل القرن السادس عشر والذي قام به قديسون أفاضل أشهرهم لوثر من ألمانيا وزوينجلي من سويسرا وكلفن من فرنسا. لأن الإصلاح، أعني توضيح الحق ونشر كلمة الله، هو ما أخذه ملاك الكنيسة، والذي يوبخه الرب بالقول «فاذكر كيف أخذت وسمعت» لكنه لم يستفد. ودخلت البروتستانتية ببرودة الموت في ركابها والتي يقول الرب عنها «لم أجد أعمالك كاملة أمام الله». ويستمر هذا الدور أيضاً حتى مجي ء الرب.

وكنيسة فيلادلفيا (ومعناها المحبة الأخوية) :تمثل تلك النهضة المباركة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حيث تفتحت الأسفار النبوية أمام القديسين، تلتها باقي الحقائق تباعاً؛ مثل حضور الروح القدس في الكنيسة كجماعة وفي المؤمنين كأفراد، ورئاسة الرب يسوع لاجتماعات القديسين، وكهنوت المسيح الحإلى وكهنوت جميع المؤمنين، وثبات مركز المؤمن، والحق الخاص بكسر الخبز، وأيضاً مجي ء الرب لاختطاف الكنيسة، وملكه الألفي على الأرض.... إلخ. والرب مكافأة منه للأمناء على حفظهم لكلمة صبره سيحفظهم من الدخول في ساعة التجربة العتيدة أن تأتي على العالم كله لتجرب الساكنين على الأرض. وهذه التجربة هي ما نقرأه في رؤيا 13 :16،17.

وأخيراً كنيسة لاودكية (ومعناها حكم الشعب) :نجد فيها صورة للأيام الصعبة الني نحن فيها والتي لا يحتملها المسيح حيث استعيض عن المسيح الذي وحده فيه الغنى ، بأشياء لا حصر لها، مما نتح عنه قول الكبرياء والغرور «أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء» رغم أن المسيح خارجاً! مما لا يدع مجالاً أمام الرب إلا أن يتقيأها من فمه. وهذا سيحدث عندما يأتي ليأخذ عروسه، الكنيسة الحقيقية إليه.

يمكننا أن نري في كنيسة برغامس نشأة الأرثوذكسية.

وفي كنيسة ثياتيرا نشأة البابوية.

ثم في كنيسة ساردس نري نشأة البروتستانتية.

وكنيسة فيلادلفيا تكلمنا عن النهضات الكتابية المتعددة، أبرزها حركة الإخوة.

وأخيراً نري في كنيسة اللاودكيين صورة المسيحية في دورها الأخير بتعدد البدع والتعاليم الكفرية؛ فبدع المورمون في أوائل القرن التاسع عشر، ثم جماعات العلم المسيحي ، وبدع الروحيين، ثم السبتيين الأدفنتست في منتصف القرن التاسع عشر، ثم جماعة فجر الألف سنة أو شهود يهوه في النصف الأخير من القرن التاسع عشر. ثم جماعات الملكوت، والضحك المسيحي (!) والوقوع على الأرض إدعاء ان هذا من عمل روح الله (!) وغيرها وغيرها من بدع القرن العشرين...، أليست شاهدة على ذلك. لقد أعلن بلي جراهام الواعظ الأمريكي الشهير منذ عدة سنوات أن في أمريكا الآن نحو عشرة آلاف شخص يدعي كل منهم أنه هو المسيح، فتأمل في أي عصر نحن نعيش!!

مقارنة بين صفات الرب في الكنائس السبع، وكذا وعوده للغالبين فيها

يقدم المسيح لكنيسة أفسس باعتباره الممسك السبعة الكواكب في يمينه، والماشي في وسط السبع المناير الذهبية. ومن هذا نستنتج أن أفسس من زاوية ما تمثل الكنيسة إجمالاً، فالرب هنا لا يشار بأنه ممسك أحد الكواكب، بل ممسك بها جميعاً، كما أنه ماش وسط المناير السبع تلك التي تضئ في ليل غيابه. ما أجمل أن الكواكب في يمينه، وأن الرب يمشي وسط الكنيسة. سيأتي عن قريب اليوم الذي فيه نعرف نتائج تحركات المسيح الباهرة في وسط المناير السبع!

أما وعده للغالب فإنه يتجاوب مع حالة الفشل التي ظهرت في هذه الكنيسة. لقد تركت الكنيسة محبتها الأولى ، أما من ينتصر على هذه الحالة المحزنة، فقد وُعد بالأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله. إنه شخص المسيح بهجة السماء وشبع القديس، يتمتع الغالب بالوعد بأنه سيشبع به إلى أبد الآبدين.

وأما لكنيسة سميرنا تلك الكنيسة التي كان عليها أن تواجه اضطهادات كثيرة، فإن الرب مُقدَم باعتباره «الأول والآخر الذي كان ميتاً فعاش» وما أجمل أنه من فم الذي واجه كل الأعداء حتى الموت نستمع لهذا القول «لا تخف البتة». لقد سبقنا، له المجد، في هذا السبيل ويقدر أن يعين المجربين. وهو بموته أبطل سطوة الموت ورعبه بالنسبة للمؤمنين. بهذه الصور يقدم الرب للمتألمين في سميرنا.

الغالب في هذه الكنيسة هو الذي يظل أميناً إلى الموت. والوعد له هو «لا يؤذيه الموت الثاني » ألا يتجاوب هذا الوعد مع قول الرب لتلاميذه «أقول لكم يا أحبائي لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر» (لو12 :4).

ولكنيسة برغامس فإن الرب مقدم باعتباره «الذي له السيف الماضي ذو الحدين»، فأمام تيار البدع في هذه الكنيسة التي كانت تسكن حيث عرش الشيطان كم كانت الحاجة ماسة إلى كلمة الله التي هي أمضي من كل سيف ذي حدين (عب4 :12). والرب نفسه يشير إلى هذا السلاح عندما يقول للملاك «فتُب وإلا فإني آتيك سريعاً وأحاربهم بسيف فمي ».

أما الوعد للغالب في هذه الكنيسة، للشخص الذي غلب روح مصادقة العالم وعاش كالغريب رافضاً السكن حيث عرش الشيطان، فهو أنه بعد انتهاء سني الغربة سيعطيه الرب «من المن المخفي » كما يعده أيضاً بحصاة بيضاء؛ ولقد قيل في هذه الحصاة البيضاء أنه في الانتخابات كانوا يعطون من يريدون انتخابه حصاة بيضاء، وللاسم الذي لا يريدونه حصاة سوداء، ثم يتم في النهاية عدها لمعرفة من ارتاح له الشعب. هنا المسيح يقول إنه سيعطي حصاة بيضاء للغالب؛ دلالة على سرور الرب به واستحسانه له. وعلي الحصاة اسم مكتوب لا يعرفه غير الذي يأخذ؛ إنها علاقة شخصية وخاصة بين المسيح والمؤمن.

ولكنيسة ثياتيرا يقدم المسيح نفسه باعتباره ابن الله الذي له عينان كلهيب نار ورجلاه مثل النحاس النقي . فهو يذكرهم أنه هو ابن الله، هو أساس الكنيسة وليس بطرس (مت16 :16)، هو الابن على بيت الله (عب 3 :6)، وبهذا البيت تليق القداسة (مز93 :5). ولهذا فإنه يُقدَم هنا كمن يري كل شئ، وكمن يحكم على كل ما يخالف قداسته في بيته.

أما الوعد للغالب في هذه الكنيسة، لذلك الذي يحفظ أعمال المسيح لا أعمال إيزابل وأتباعها (ع22) فهو وعد مزدوج؛ أولاً سلطان على الأمم. لكم تاقت إيزابل أن تحكم الأمم، وتحقق لها هذا فعلاً كما سنري في أصحاح 17، لكن ما أسعد الغالب الذي وإن كان يصبر الآن لكنه سيملك معه (2تي 2 :12)، لكن الرب يعد الغالب أيضاً بشيء آخر أسبق من الملك والسطان، وأهم منهما، أعني به شخصه الكريم كرجاء حاضر «أعطيه كوكب الصبح»

ولكنيسة ساردس يقدم المسيح نفسه كمن له سبعة أرواح الله والسبعة الكواكب. فهو له كمال قوة الروح القدس، ويشير إلى هذا هنا لأن هذه الكنيسة فقدت التمتع بما للمسيح من قوة مطلقة. فخارجياً استندت هذه الكنيسة على قوة العالم لا قوة الرب في معاركهم الخارجية، وداخلياً فقدت القوة الروحية بالأنظمة الجامدة الميتة التي أنشأوها. ونلاحظ أن الرب لا يقول هنا إنه ممسك بالسبعة الكواكب، بل إنها له. وهو توبيخ مستتر لمن لم يكتفوا بأنهم في يده، وأرادوا الحماية من الآخرين.

لهذا فإنه للغالب في هذه الكنيسة؛ لكل من رفض مصادقة العالم التي هي زنا في نظر الله (يع4 :4)، يقدم الرب وعداً ثلاثياً :سيلبس ثياباً بيضاء هناك، ذاك الذي هنا حفظ ثيابه غير مدنسة بمصادقة هذا العالم. ولن يمحو الرب اسمه من سفر الحياة، حتى ولو محاه الناس من سجلات الكنائس هنا. وأخيراً سيعترف به الرب هناك، ذاك الذي لم يخجل في اتباعه هنا في الطريق الضيق، وسوف يكافئه الرب من جنس عمله(لو12 :8،9).

ولكنيسة فيلادلفيا يقدم المسيح نفسه في هذه المرة الفريدة لا في أمجاده الوظيفية، بل في صفاته الجوهرية كالقدوس الحق، وأيضاً كمن «له مفتاح داود الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح». كم كان سرور الرب بهذه الجماعة حتى أنه لم يوجه إليهم أي لوم على الإطلاق. كان سلوكهم الفردي مقدساً، حتى أن القدوس لم يوبخهم على أي تصرف، وكانوا كجماعة لا يميزهم تعليم أو عقيدة، بل شخص المسيح نفسه الذي هو الحق. ثم إنهم عرفوا المسيح الذي له المفتاح؛ أي هو صاحب السلطان، فلم يعترفوا برياسة بشرية؛ رياسة أسقف أو مجمع أو سنودس، بل خضعوا لرياسة المسيح وحده صاحب السلطان. ففي سلوكهم عرفوه كالقدوس، وفي عبادتهم عرفوه كالحق، وفي تدبيرهم عرفوه كصاحب السلطان. وذاك الذي يفتح ولا أحد يغلق جعل أمامهم باباً مفتوحاً؛ ففتح البلاد أمامهم للتبشير، وفتح الكتاب أمامهم لمعرفة الحق وتطبيقه. فلم يكن يهمهم فقط قيادة الهالكين إلى المخلص، بل أيضاً قيادة المخلصين إلى هذا الكنز الثمين الذي هو كلمة الله.

لهذا فإن الوعد لهذه الجماعة ليس وعداً ثنائياً كوعده للغالبين في ثياتيرا، ولا حتى ثلاثياً كوعده للغالبين في ساردس، بل هو وعد خماسي لهذه الجماعة العزيزة على قلبه. فذاك الذي ما ادعي القوة في نفسه، بل كانت له قوة يسيرة، يعده الرب أن يجعله عموداً؛ ليس عموداً في أي مكان، بل في هيكل إلهي . وذاك الذي تميزت حياته على الأرض هنا بالخروج خارج المحلة يعده بأن لا يعود يخرج إلى خارج. وبعد ذلك يكتب عليه ثلاثة أسماء غالية وعزيزة «اسم إلهي » وأيضاً «اسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند إلهي » وأيضاً «اسمي الجديد».

وأخيراً يقدم المسيح نفسه لكنيسة اللاودكيين باعتباره الآمين، الشاهد الأمين الصادق، بداءة خليقة الله. فما أجمل أننا وقد وصلنا إلى آخر كنيسة؛ الدور الأخير للكنيسة على الأرض، أن نستمع إلى قول المسيح عن نفسه إنه هو الآمين، ومهما كانت مواعيد الله فهو فيه النعم وفيه الآمين لمجد الله (2كو1 :20). وما أجمل أنه في مشهد فشل الكنيسة وعدم أمانتها، نسمع عن المسيح أنه هو الشاهد الأمين الصادق. ثم يقول «بداءة خليقة الله» الذي عندما فشلت الخليقة بواسطة آدم، نجحت مسرة الرب بيده، ولابد أن تنجح دائماً.

ويأتي الوعد للغالب في هذه الكنيسة، الذي يغلب حالة الفتور واللامبالاة، حالة الاستغناء عن المسيح والدوران حول الذات والمشغولية بها، والذي يفتح قلبه للمسيح كيما يتربع على عرش القلب في أثناء رفض الجميع للمسيح. نعم يعده المسيح بأن يجلس معه في عرشه كما غلب هو وجلس مع أبيه في عرشه.

ألا هل نلبي نداء السيد ونفتح له القلب في زمان رفض الناس له كي ما نجلس معه على عرش الظفر؟!

وهل نحيا أمناء له حاملين عاره الآن، لنتأهل قريبا لثقل أمجاده؟!
==================================

فتح السفر المختوم
===========

الاصحاح 4-7
------------------
وصول القديسين إلى السماء. ثم تهيئة الجو للحوادث الأولى الهامة بعد الاختطاف. ثم وقوع هذه الحوادث التي أسماها الرب بفمه الكريم «مبتدأ الأوجاع».

ص4 :أصحاح العرش.

ص5 :أصحاح السفر المختوم، والخروف المذبوح.

ص6 :ستة ختوم.

ص7 :مشهد بين قوسين؛ ناجون من اليهود والأمم.

أصحاح 4
----------
من أصحاح 4 وحتى أصحاح 22 :5 نجد صلب النبوة، أو بلغة السفر «ماهو عتيد أن يكون بعد هذا» والأصحاحان 4، 5 يعتبران مقدمة للقسم النبوي ، أما أولى الحوادث الني ستحدث على الأرض بعد اختطاف الكنيسة فنجدها في أصحاح 6. ورغم أن الكنيسة ليست لها علاقة مباشرة بهذه الحوادث -حيث أن النبوة بوجه عام تخص الأرض، بينما الكنيسة سماوية، وستكون في السماء عندما يتم كل هذا- لكن كأن الله يعيد علينا ما قاله لإبراهيم قديمــاً إنـه لا يُخفي عن أحـبائه ما هو فاعله (تك18 :17).

يفتتح الفصل الرابع من سفر الرؤيا بعبارة تتكرر مرتين؛ في أول العدد وفي آخره، وهي عبارة «بعد هذا» وهي عبارة خطيرة تشير إلى نهاية فترة النعمة وسنة الرب المقبولة، ليبدأ «يوم انتقام لإلهنا»(إش61 : 2)!

ويسمع يوحنا صوتاً من السماء يقول له «اصعد إلى هنا» ومرة ثانية نقرأ أن يوحنا صار في الروح (قارن أصحاح1 :10)، وإذ ذاك رأي في هذه المرة لا شبه ابن إنسان في وسط السبع المناير الذهبية، بل عرش الله في السماء، ورأي الجالس عليه، كما رأي حول عرش الله أربعة وعشرين عرشاً جالساً عليها أربعة وعشرون شيخا. ورأي أمام العرش سبعة مصابيح نار متقدة هي سبعة أرواح الله.

الشيوخ الأربعة والعشرون يمثلون القديسين السماويين جميعاً انظر الملحق؛ السؤال الرابع.، أو بالحري مؤمني العهد القديم والجديد باعتبارهم ملوكاً وكهنة (أصحاح1 :5،6). وصفتهم كملوك تظهر في الأكاليل الذهبية التي عليهم والعروش الذهبية التي هم عليها. وصفتهم ككهنة ظاهرة في الثياب البيضاء التي يلبسونها، وفي الجامات الذهبية المملوة بخوراً التي في أيديهم، وأيضاً في عددهم الذي هو أربعة وعشرون بعدد الفرق الكهنوتية التي كانت مرتبة في العهد القديم (1أخ24،25). إذاً فهم يُرَون هنا في سمو ملكي وقرب كهنوتي ! وجلوسهم ما أمجده! ففي وسط مشهد الدينونة؛ البروق والرعود والأصوات، لا يقولون كما قال الشعب يوم إعطاء الناموس «لا يتكلم معنا الله لئلا نموت» (خر20 :19)، ولا حتى كموسى ، وسيط العهد القديم، الذي قال «أنا مرتعب ومرتعد» (عب12 :21)، بل كما هو مكتوب «لنا ثقة في يوم الدين... لأن المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج» (1يو4 :17، 18).

ورأي يوحنا كذلك أربعة كائنات حية سماوية عجيبة، تجمع في صفاتها بين صفات السرافيم المذكورة في إشعياء 6، والكروبيم السرافيم جمع "سراف" بالعبري ويعني "يشعل" أو "يسمو"، وهم نوع سام من الملائكة، لهم قرب خاص من الله، ويسبحونه باستمرار (إش6). أما الكروبيم فهو جمع "كروب" بالعبري ، وهم نوع آخر من الملائكة سام أيضاً ويمثلون قوة الله في الخليقة والقضاء (تك3 : 24، حز10).* المذكورة في حزقيال1. فهي كالسرافيم لها ستة أجنحة (تمثل فورية تنفيذ الأوامر)، ومثلهم أيضاً تقول نهاراً وليلاً «قدوس قدوس قدوس»، وهي كالكروبيم مملوة عيوناً من قدام ومن وراء (الفطنة المميزة)، ولها نفس المناظر الأربعة التي للكروبيم. هذه المناظر هي لكائنات لها التفوق المطلق في مجالها؛ فالمنظر الأول شبه أسد (ملك الوحوش)، والثاني شبه عجل (أهم المواشي وأشهرها)، والثالث له وجه مثل وجه إنسان (قمة كل خلائق الأرض)، والرابع شبه نسر طائر (ملك الطيور). الأسد رمز القوة الواثقة، والعجل رمز الصبر المتأني ، والإنسان رمز الفطنة المميزة، والنسر رمز الانقضاض السريع. يا لخطورة هذه الصفات الأربع إذا اجتمعت معاً كما هنا! إنها صفات الله القضائية؛ فقضاء الله النابع من قداسته لا يقاوم ولا يستكين ولا يتغير ولا مهرب منه!

وتحدثنا هذه الكائنات الحية الأربعة عن وسائل تنفيذ الله لأحكامه على الأرض، كيفما كانت هذه الوسائل. وهي أربعة (رقم العالم بأطرافه الأربعة، نظرا لارتباطها بالأرض). ونحن نعلم أن الله في العهد الجديد، كما كان في العهد القديم ينفذ سياسته القضائية وأحكامه بواسطة «ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه» (مز103 :20) لكن في الملك الألفي لن يكون هذا من اختصاص الملائكة «لأنه لملائكة لم يخضع العالم العتيد» (عب2 :5)، بل إن السيادة فيه ستكون للمسيح ابن الانسان ومعه قديسوه. لذلك فإن هذه الكائنات الحية الأربعة في أصحاح 4 هي تعبير عن الملائكة، بينما في أصحاح 5 تمثل المفديين كملوك حاكمين حيث تم استلام الخـروف للسفر، وجـاءت ترنيمة المفديين عن ملكهم على الأرض (ع9، 10).

ولعلنا نلاحظ أنه لم يرد ذكر الملائكة في أصحاح 4 رغم أن الرائي ذكر لنا فيه ما شاهده في السماء، فلماذا لم يذكر الملائكة هناك؟ الإجابة لأنه ذكرهم ضمنا في الكائنات الحية الأربعة. أما في أصحاح 5 فإننا نجد الكائنات الحية مع الشيوخ يكونون فريقاً واحداً، لهم مركز أقرب إلى عرش الله، بينما يذكر الملائكة في هذا الفصل، ويرد ذكرهم باعتبارهم فريقاً مستقلاً أبعد عن العرش من الفريق الأول. ومن هذا كله نفهم أن الكائنات الحية في رؤيا 5 تمثل المفديين لا في صفتهم ساجدين (فهذا ما نجده ممثلاً في الشيوخ)، بل في صفتهم ملوكاً حاكمين.

والمشهد المذكور في هذا الفصل هو مشهد في السماء وبعد الاختطاف، رغم أن الاختطاف لم يرد صراحة يري بعض الشراح أن يوحنا بداية من أصحاح 4 يمثل الكنيسة، حيث لن نعود نقرأ عنها حتى ص22 : 16، وأنه بصعوده إلى السماء يمثل الكنيسة المختطفة لكي تتابع الأحداث من السماء، لا لتعايشها على الأرض؛ مثل ابراهيم الذي رأي فقط حريق سدوم دون أن يعايشه. وعليه فهم يعتبرون صوت البوق الذي سمعه يوحنا يمثل " البوق الأخير " (1كو 15 : 51) الذي تتوق قلوبنا أن تسمعه. وأن الباب المفتوح في السماء والصوت الذي دعاه إلى السماء يمثل الاختطاف.، لأن السفر سفر مسئولية لا نعمة (كما مر بنا في الملاحظات التمهيدية) لكننا نستنتج حدوثه من عدة أمور :

1 - القول «ما لابد أن يصير بعد هذا» أي بعد انتهاء فترة وجود الكنيسة على الأرض (أصحاح2، 3).

2 - كون المؤمنين ممثلين بأربعة وعشرين شيخاً؛ فكونهم شيوخاً أي بلغوا الكمال بفداء الأجساد كما ذكر الرسول بولس في 1كورنثوس13 :9-12 (قارن عب11 :39)، وكونهم أربعة وعشرين أي أن العدد قد كمل باختطاف الكنيسة من الأرض.

3 - البحر الزجاجي الموجود أمام العرش صورة الثبات والاستقرار اللذين يميزان السماء. ثم إن الكنيسة وقد وصلت إلى المجد ما عاد لها حاجة بعد إلى التطهير (انظر 1يو 3 :2) الذي يلزمنا ويلازمنا الآن (أف5 :26، 27).

4 - العرش المذكور هنا لا هو عرش النعمة (عب4 :16) ولا هو عرش الملك (رؤ20 :4)، فالنعمة ولّى زمانها، والمُلك لم يأتِ بعد. فماذا يكون إذا؟ إنه عرش القضاء الذي يميز فترة الضيقة التي ستلي اختطاف الكنيسة.

5 - ألقاب الله المذكورة هنا ليست هي ألقابه المرتبطة بالكنيسة (مما يدل على أن دورها قد انتهي من الأرض)، بل إنها توافق سياسة ملك المسيا على الأرض.

أصحاح 4
--------------
في كلمة واحدة نقول إن أصحاح 4 هو أصحاح العرش بدخولنا إلى أصحاح 4 فإننا ندخل إلى القسم النبوي ، حيث تنفذ أحكام الله القضائية، وكان من المهم أن يشير فيه إلى العرش. ومع أن سفر الرؤيا هو بالإجمال سفر العرش؛ حيث يبدأ به (1 : 4) ويختم أيضاً به (22 : 3)، ويرد فيه أكثر من 36 مرة، إلا أن هذا الأصحاح وحده يرد فيه كلمة العرش (بالمفرد) 12 مرة، رقم الحكم والسلطة. (مصدر الحكم) بينما أصحاح 5 هو أصحاح الخروف (منفذ الحكم). وإن كنا في أصحاح 4 نري الرب الإله القادر يأخذ المجد والكرامة والقدرة التي يستحقها كالخالق، فإننا في أصحاح 5 نري الخروف المستحق أن يأخذ القدرة والغني والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة لأنه ذُبح واشتري . ولهذا فإن أصحاح 4 يملأ القلب بالخشوع والورع أمام جلال الله وعظمته، لكن أصحاح 5 يحرك العواطف بالسجود والتعبد أمام محبة المسيح وتضحيته.

* * * *

في أصحاح 5
----------------
- كما ذكرنا- نجد الرب كالفادي ، الذي يفدي المقتنى . فكل المشهد الذي أصابه التشويش نظراً لسيادة الشيطان عليه، لابد يأتي يوم يخضع للمسيح. لأن المسيح في الصليب وضع الأساس لمصالحة كل شي ء (كو1 :19،20)، ولابد أن يأتي اليوم الذي فيه يحرر المسيح بالقوة ما وضع أساسه بالنعمة ودفع ثمناً له دمه الكريم.

لقد رأي يوحنا على يمين الجالس على العرش سفراً مكتوباً ومختوماً بسبعة ختوم. إنه سفر أو صك ملكية الرب للميراث. لكن سُمع السؤال :من هو مستحق؟ وهذا الســؤال يتضمن أيضاً من هو كفـؤ ليتمم بالبر ما قصده الله من البداية؛ سـواء بالنسبة لبركة الانسان أو الأرض؟ لم يوجد من هو كفؤ لهذا؛ لا أحـــد بين جنبات السمـــاء، ولا في بقاع الأرض، ولا حتى في دوائر الهــالكين تحت الأرض لعل هذا يفسر لنا سر الفترة التي فيها تُرك الشيطان يعربد في الأرض، كما يفسر أزمنة الأمم، وأيضاً يفسر انتظار الله الطويل على بابل (الديانة - انظر المحاضرة الخامسة) وانتظاره.. وانتظاره.. نعم كان لابد أن يثبت أمام كل الكون أن الكل أخذ الفرصة، لكن لم يوجد كفؤ سواه. . لــيس فقــط لم يوجد من هو مستحق أن يفتح السفر تفكر : مَنْ مِن الشعوب يملك صك ملكية الأرض التي يسكن عليها؟ طبعاً لا أحد. لكن المسيح له حق ملكية الأرض كلها، لأنه خلقها ولأنه اشتراها (كو1 : 16،20 و مت13 : 44، 38). وتوجد في إرميا 32 : 6-15 صورة تصويرية جميلة لذلك عندما كان إرميا محبوساً في السجن. لقد أمره الرب أن يشتري من حنمئيل ابن عمه الحقل الذي في عناثوث. وقد اشتراه إرميا بالفعل، ودفع ثمنه فضة (والفضة في الكتاب ترمز للفداء والكفارة والشراء -انظر 1بط1 : 18، تث14 : 25،26، خر30 : 16...)، وكتب صكين للشراء؛ واحد مختوم والآخر مفتوح. ثم أمره الرب أن يضع هذين الصكين في إناء من خزف لكي يبقيا أياماً كثيرة. وهذا بل اشك يؤكد أن ما دُفع ثمنه سيعود إلى صاحبه مهما طالت المدة وتأخر التنفيذ. وهنا كأن الرب يفتح صك الشراء المختوم، الصك الذي يثبت شراء الرب لكل العالم بدمه الكريم، هذا الشراء الذي تم من فوق الصليب. بل ولا حتى أن يقرأه أو ينظر إليه (5 :4)! فبكى يوحنا كثيراً؛ وإن من يتوقع مجيء البركة للأرض من أحد غير المسيح لابد أن يبكي كثيراً. نعم لم يستطع أحد، كائناً مَنْ كان إدخال البركة للعالم البائس، ولا حتى الكنيسة تستطيع ذلك. هو وحده، وهو باعتباره «الأسد الخارج من سبط يهوذا» في مجيئه الثاني بالقوة.

وفي الحال رأي يوحنا المسيح وهو في وسط العرش والحيوانات والشيوخ :

في وسط العرش والكائنات الحية : فهو مركز أحكام السماء.

وفي وسط الشيوخ : لأنه مركز أفكار وعواطف مفدييه.

لكن يوحنا الذي كان متوقعاً أن يري الأسد إذ به يري المسيح كالخروف تعبير الخروف يرد هنا في صيغة التصغير. ذلك لأن ما جعل البشر يستخفون بالمسيح، أعني التجسد والصليب، هما في الواقع أساس استحقاقه لأخذ السفر «أعطاه سلطانا أن يدين..لأنه ابن الإنسان» (يو5 : 27). ولقد ورد تعبير الخروف في هذا السفر 28 مرة (7×4)، وكلها جاءت في صيغة التصغير. القائم كأنه مذبوح. فهو رأي ما يرتبط بأساس الفداء؛ أعني الذبح والدم اللذين هما الأساس. فإتمام مقاصد الله من نحو الخليقة كان يتطلب أولاً إزالة الخطية من المشهد، تلك الخطية التي فصلت الإنسان عن الله، وأدخلت اللعنة إلى الأرض. فأين ذلك الشخص الذي بوسعه رفع خطية العالم؟ لا يوجد شخص سوي المسيح ولا يوجد عمل سوي ما عمله في مجيئه الأول.

ماذا حدث للمسيح في مجيئه الأول عندما جاء متضعاً ؟ لقد رفضه البشر، بل لقد قتلوه بأيدي أثمة. هذا هو قوة التعبير الوارد هنا «الخروف المذبوح»؛ فهو لا يقول خروفاً مقدماً ذبيحة، بل خروفاً مذبوحاً (ع6،12). هذا ما فعله البشر بالمسيح في يومهم، بل في ساعتهم وساعة سلطان الظلمة، لكننا سنري حالاً ما سيفعله المسيح بالبشر بصدد مجيئه الثاني . ولهذا فإننا نقرأ هنا أن الخروف قام وأخذ السفر من يمين الجالس على العرش. نعم فكما سبق أن ذكرنا أن القوة ستنفذ ما وضعت النعمة أساسه، ولابد أن يمتلك المسيح بالقوة قوة المسيح تُري هنا في القرون السبعة التي للخروف. فالقرن تعبير عن القوة (تث33 : 17، 1صم2 : 1، مز75 : 10). وعليه فإن السبعة قرون تعني كمال القوة. كل ما اشتراه بالدم.

ويالفرحة السماء عندما قام الحمل المذبوح ليستلم السفر ويفك ختومه السبعة! ويشير الرائي هنا إلى ثلاث دوائر تحيط بالخروف المذبوح وتزداد في الاتساع، وكلها فرحة ومبتهجة بهذا العمل الذي من قديم ينتظر. وهذه الدوائر هي :

الدائرة الأولى : هي دائرة المفديين ممثلة في الأربعة الكائنات الحية والأربعة والعشرين شيخاً (ع8-10).

والدائرة الثانية : هي دائرة الملائكة (ع11،12).

والدائرة الثالثة : هي كل الخليقة (ع13).

لقد سجدت الأربعة الكائنات الحية وكذلك الشيوخ (لاحظ أنهم يُرون هنا في أصحاح 6 معاً، بخلاف أصحاح 4، كما أشرنا سابقاً). ثم يذكر ترنيمة الشيوخ الجديدة، وهي لا تدور حول بركات المفديين، بل حول مجد الفادي وعظمة الفداء (ع9،10)، وأيضاً تسبحة الملائكة السباعية (ع12)، ثم تسبيح رباعي تسبيحة كاملة للملائكة (رقم 7 هو رقم الكمال)، أما الخليقة فتسبيحة رباعية (4 هو رقم الخليقة). والمجموع 11؛ والرقم 11 مدلوله الترنيم والفرح! للخليقة موجه لله وللخروف معاً. وساعتها فإن كل وسائل تنفيذ القضاء قالت «آمين»، بينما المؤمنون كمفديين خروا ساجدين. ولقد سبق للمفديين أن قدموا للخروف سجودهم المسموع في ع9،10، والآن يقدمون له سجودهم الصامت (ع14)!

* * * *

وابتداء من أصحاح 6 ولغاية أصحاح 19 نجد تسجيلاً للحوادث التي كان السفر المختوم يتضمنها والتي ستحدث في الفترة المحصورة بين الاختطاف وظهور المسيح. وأصحاح 6 يقدم لنا الحوادث التي تتلو فتح كل واحد من الختوم الستة الأولى ، وهي الحوادث إلى ستتم في الفترة التي أسماها الرب في متى 24 :8 «مبتدأ الأوجاع»، أما الختم السابع فنجده في أصحاح 8 وهو في حقيقته مقدمة للأبواق السبعة التي هي مجموعة الضربات التالية.

ما هو أول حادث هام سيحدث على الأرض بعد اختطاف الكنيسة؟ هذا ما نراه في فتح الختم الأول إذ أن الكائن الحي الأول الكائنات الحية هي المسئولة عن تنفيذ سياسة الله القضائية على الأرض كما أشرنا عند تعليقنا على الأصحاح الرابع. قال كصوت رعد «هلم» فإذا فرس الفرس هنا تعبير عن قوة منتصرة لا تقاوَم (أي 39 : 19-25، زك6 : 1-7). أبيض وعليه راكب ليس هو المسيح كما فسر البعض، فالمسيح لا يؤمر بالخروج من أحد الكائنات الحية، إنه محرك للأحداث لا متحرك بها. ثم إن المسيح سيظهر بعد نهاية الأسبوع السبعين من أسابيع دانيال (دا9) وليس في أول الأسبوع السبعين. أما الراكب على الفرس الأبيض هنا فهو كما ذكرنا الزعيم الروماني أو القرن الصغير. وسيكون ظهوره إيذاناً ببدء الأسبوع الأخير من أسابيع دانيال. معه قوس وخرج غالباً ولكي يغلب.

أصحاح 6
------------
هذا يحدثنا عن ظهور من أسماه دانيال في نبوته «رئيساً آتياً» (دا9 :26) وهو شخصية إيطالية عادية لم تكن متولية الحكم من قبل، ولكن ما أن يفيق العالم من ارتباكه لما حدث نتيجة للاختطاف، حتى تكون هذه الشخصية قد تقدمت لتأخذ الحكم في إيطاليا «أُعطي إكليلاً». وسوف تلعب هذه الشخصية دوراً من أخطر الأدوار على الأرض منذ ابتداء العالم. فبعد نحو ثلاث سنين ونصف من ظهورها سيُكرم باعتباره الله، وسيسجد العالم كله سجوداً فعلياً له. لكن ما هي إلا فترة نظيرها حتى يكون هو أول من يُلقَي حياً (أي بروحه ونفسه وجسده) لا إلى الهاوية بل إلى بحيرة النار والكبريت! وسيأتي الكلام عن هذا فيما بعد.

نحن نعلم أن دول أوربا قد نجحت في تحقيق حلمها القديم بالوحدة. ولقد بدأ الاتحاد عام 1958 بالسوق الأوربية المشتركة، ثم تطور فأصبح الآن تحالفاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً فيما يسمي بالتحالف الأوربي . لكن ما تحقق في أيامنا هذه، سبق الكتاب المقدس وأخبرنا به في سفر الرؤيا بل وأيضاً في سفر دانيال الذي كُتب قبل المسيح بنحو 600 سنة (دا2 :42،7 :24). كما أخبرنا الكتاب المقدس أيضاً أن زعامة هذا التحالف ستكون عن قريب جداً من نصيب إيطاليا. ففي دانيال9 :26 «وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس». ومعلوم أن هذا الشعب الذي أخرب أورشليم وهدم الهيكل سنة 70م هو الشعب الروماني . إذا "فالرئيس الآتي " سيكون من إيطاليا. هذا هو إحياء الامبراطورية الرومانية الذي سنعود نسمع عنه في هذا السفر، وسوف يقوم ربنا يسوع المسيح بتحطيمها عند ظهوره كما ذكر دانيال في نبوته (دا2).

هذا الزعيم يُري هنا راكباً على فرس ومعه قوس. والفرس صورة للقتال والقوس إشارة إلى الحروب من على بعد. لكن نلاحظ أن الفرس أبيض والقوس بلا سهام، أي أنه يحرز انتصارات سلمية كتلك التي أحرزها كل من نابليون وهتلر في أول عهديهما. كما أنه يُري أيضاً وقد «خرج غالباً ولكي يغلب»، أي أنه يتطلع للزعامة على البلاد الأخرى . «ويثبت عهداً مع كثيرين في أسبوع واحد» (دا9 :27)، وسرعان ما تكون دول غرب أوربا قد أقرت بزعامته.

أما الختم الثاني فإنه لما فُتح «خرج فرس أحمر (لون الدم)»، إشارة للحروب. «وللجالس عليه أُعطي أن ينزع السلام من الأرض»، وهكذا ستعم الأرض كلها الحروب، وأولئك الذين سيحلمون بالسلام تحت سيادة ذلك الرئيس راكب الفرس الأبيض سيخيب ظنهم سريعاً، «لا سلام قال الرب للأشرار» (إش48 :22) «وأن يقتل بعضهم بعضاً» أي حروب أهلية. «وأُعطي سيفاً عظيماً» - فليس قوساً بل سيفاً، أي ليست حروباً عن بُعد بل قتالاً بالسلاح الأبيض. ويقال عن السيف إنه سيف عظيم لأن القوات المتعاركة متعادلة والصرعى مئات الآلاف. هنا نري ما بات العالم كله يشكو منه اليوم؛ الإرهاب والاضطرابات الداخلية والحروب الأهليه! ما أفظع هذا وما أشد أهواله!! كم انتشر حولنا في بلدان العالم المختلفة، صورة لما سيعم العالم كله بعد الاختطاف. فهل تتعظ الناس؟!

ولما فُتح الختم الثالث «إذا فرس أسود»، واللون الأسود هو دلالة الجوع كقول إرميا «جلودنا اسودت كتنور من جري نيران الجوع» (مرا 5 :10،4 :8). «والجالس عليه معه ميزان في يده»، والميزان دلالة على ندرة الموجود كما ورد في حزقيال 4 :16 «هاأنذا أكسر قوام الخبز فيأكلون الخبز بالوزن» وما هو مدي تلك المجاعة؟ «ثُمنية قمح بدينار» - والثمنية هي قوت فرد واحد في اليوم. والدينار هو أجر العامل في اليوم (مت20 :2)؛ فكل أجر العامل يذهب في أن يسد رمقه بالخبز فقط، فماذا بالنسبة لأسرته وما فيها من أطفال ونساء وشيوخ؟ سيضطر العامل في هذه الحالة لأن يتجه إلى أرغفة الشعير التي لا تؤكل في الوقت الحالي ، لكنها ستؤكل في تلك الأيام، ليتقاسمها مع أسرته بالكاد لكي يقي نفسه بالكاد غائلات الجوع الشديد، «ثلاث ثماني شعير بدينار».

وبينما المجاعة تطحن الفقراء طحناً سيظل الأغنياء في رفاهيتهم لا يشعرون بشيء «أما الزيت والخمر فلا تضرهما» -وهذا تكرار أكبر لما حدث قبيل الثورة الفرنسية عندما قالوا للملكة إن الشعب لا يجد الخبز، فقالت : ولماذا لا يجربون البسكويت!

ولما فُتح الختم الرابع «إذا فرس أخضر (أو شاحب Pale) والجالس عليه اسمه الموت، والهاوية تتبع معه». فختام هذا الرباعي هو الأوبئة المشار إليها بهذا الفرس الشاحب لتحصد بالموت الآلاف والملايين «وأعطيا سلطاناً على ربع الأرض أن يقتلا بالسيف والجوع والموت وبوحوش الأرض».

ونلاحظ أن ترتيب الحوادث كما ذكرناها الآن هو عين ما نطق به سيدنا في متى 24 «فإن كثيرين سيأتون.. قائلين أنا هو المسيح» (ع 5)، وهذا يتمشي مع الختم الأول. «وسوف تسمعون بحروب وأخبار حروب... لأنه تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة» (ع6،7)، وهذا هو الختم الثاني . «وتكون مجاعات» (ع7)، وهذا هو الختم الثالث. «وأوبئة وزلازل في أماكن» (ع7)، وهذا هو الختم الرابع. «ولكن هذه كلها مبتدأ الأوجاع» (ع8).

الناس اليوم يقولون سلام سلام، لكن السيف آت.

الناس اليوم يحلمون بالرخاء والوفرة، لكن المجاعات آتية.

الناس يتوهمون بأنهم انتصروا على الأمراض، لكن الأوبئة قادمة.

الناس يحتجون لصالح الحيوان، وحقوق الحيوان! ناسين حقوق الله، لكن الحيوانات المفترسة لن ترحم أولئك الناسين الله.

وعندما نقارن هذا الرباعي بالمسيح له المجد كما نقرأ عنه في الأناجيل الأربعة نجد أن الكائن الحي الأول؛ الذي يشبه الأسد هو الذي دعا تلك الشخصية الأثيمة للخروج. لقد رفضوا المسيح الملك (كما يحدثنا عنه متى ) وسيقبلون ذلك المزيف، فإن من يرفض «المسيح الرئيس» سيقبل «رئيساً آتياً» (قارن دا9 :25،26).

والكائن الحي الثاني الذي يشبه العجل هو الذي دعا الفرس الثاني للخروج. لقد رفضوا المسيح الخادم الصبور (كما قدمه لنا إنجيل مرقس)، الذي جاء لا ليُخدَم بل ليخدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين (مر10 :45)، فكانوا بذلك كمن ينتحرون، إذ سيُنزع السلام عن الأرض!

أما الكائن الحي الثالث الذي له وجه إنسان فيحدثنا عن المسيح كما ورد في إنجيل لوقا. فالذين رفضوا ذاك الذي حدثهم عن الوليمة العظيمة ودعوته للمساكين (لو14)، سيكون من نصيبهم المجاعات القاسية في الحياة الحاضرة، وفي الأبدية أيضاً!

وأخيراً فإن الكائن الحي الرابع الذي هو مثل النسر الطائر يحدثنا عن المسيح كما ورد في إنجيل يوحنا، فأولئك الذين رفضوا المسيح الذي أتي ليكون لنا حياة ويكون لنا أفضل، لن يبقي أمامهم سوي «الموت، والهاوية نلاحظ أن الهاوية ترد في الكتاب دائماً بالارتباط بالموت (هو13 : 14، 1كو 15 : 55، رؤ1 : 18، 6 : 8، 20 : 13،14،...) مما يعطينا الانطباع أن الهاوية حالة وليست مكاناً. فكما أن الموت هو حالة الأجساد بدون الأرواح، فإن الهاوية هي حالة الأرواح بدون الأجساد. ولهذا فإن القراءة الدقيقة هنا أن الهاوية تتبع مع الموت، وليست تتبع الموت. تتبع معه» !

ثم يواصل السيد كلامه عما سيحدث أيضاً في مبتدأ الأوجاع بما يتمشى مع الختم الخامس فيقول «حينئذ يسلمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الأمم لأجل اسمي ». والكلام هنا عن المؤمنين الأمناء من الشعب القديم، لأن الكنيسة وقتها ستكون قد اختطفت إلى بيت الآب. «حينئذ يعثر كثيرون ويسلمون بعضهم بعضاً ويبغضون بعضهم بعضاً» - لذلك عند فتح الختم الخامس لا نجد صرخة أحد الكائنات الحية تأمر بضربة جديدة على العالم، بل نسمع الصرخة من أولئك الشهداء الذين قتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم، ويوجهون الصرخة لا إلى أحد راكبي الخيل بل إلى الله «حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض؟» -إنهم شهداء النصف الأول من الأسبوع الأخير لأسابيع دانيال السبعين (دا9 :27) أي في فترة الثلاث سنين ونصف الأولى التي هي «مبتدأ الأوجاع».

لذلك في الختم السادس نجد الرد الفوري من السماء على صرخة أولئك الأمناء الشهداء «أفلا ينصف الله مختاريه الصارخين إليه نهاراً وليلاً؟!» (لو18 :7) إن الله يبقي على نظم الحكم المختلفة لخير قديسيه الذين يصلُّون لأجل الحكام وجميع الذين هم في منصب كيما نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوي ووقار (1تي 2 :2) ولكن عندما ترحل الكنيسة، ويصلي القديسون الباقون على الأرض، لا لأجل سلامة الحكام -كما هو حادث الآن- بل لانتقام السماء منهم، فما الذي نتوقعه؟ إن الذي سيصرخ في هذه المرة هم ملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء وكل عبد وكل حر.

ما الذي حدث هذه المرة؟! كيف دارت الدائرة عليهم؟! إن هذه الفئات لم تشعر بوطأة كل الضربات السابقة، بينما الضربة في هذه المرة ستتركز عليهم! نعم فهل دماء المؤمنين رخيصة كما
فى الواقع سفر الرؤيا و سفر نشيد الأنشاد من أصعب الأسفار و التى تحتاج إلى تفسير حتى يستطيع القارئ فهم الرموز الموجودة بهما.

لذا وجب شكر تاسونى تيتى على هذا المجهود

أحدث الموضوعات

From Coptic Books

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة من 10/2010