تفسير الاصحاح الثانى والثالث من سفرنشيد للاناشيد

دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
================================

مقـــــــــــدمة
-------------------

سفر نشيد الأناشيد هو سـفر الغَزَل الروحانى المقدس ، الذى فيه يمتدحنا الله ونمتدحه .. فهو سفر الحب الحقيقى الذى فيه نرى المسيح كعريس سماوى لكنيسته العروس المجيدة .. كما نرى فيه الرب يسوع عريساً شخصياً لكل نفس تقبله وترحب به ليدخل ويتعشى معها وهى معه (رؤ 3 : 20) ..
ويقول قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث : [ الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله .. أما الجسديون فيحتاجون فى قراءته إلى مرشد يفسر لهم ، لئلا يسيئوا فهمه ، ويخرجوا عن معناه السامى إلى معانٍ عالمية .. ]
من أجل هذا وجب علينا أن نتحذر من أن نحبس أفكارنا فى نطاق الجسد والجسديات ونحن نغوص فى أعماق هذا الحب السماوى المقدس فى هذا السفر .. بل يجب أن تتحول أنظارنا إلى العريس السماوى الذى قال عنه معلمنا بولس الرسول : " فإني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح " (2كو 11 : 2)
وأكد هوشع النبى نفس المعنى بقوله : " وأخطبك لنفسى إلى الأبد وأخطبك لنفسى بالعدل والحق والإحسان والمراحم .. أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب " (هو 2 : 19 ، 20)

وحين يعزف الرب يسوع ألحانه الشجية على أوتار القلب المتلهف للحب الحقيقى ، فإننا نرى هذا القلب وقد سُبى فى حب من مات لأجله ، وتخرج من جدران قلبه أنغام الهيام بعشقٍ سماوىٍ مقدسٍ ، ويفيض فمه بأعذب الأنغام فلا يرى أعذب من نشيد الأناشيد لينطق به .. وهو نشيد الحب الذى يحمل إنعكاسة حب المسيح الأسمى..

لذا قال القديس يوحنا سابا ( الشيخ الروحانى ) :
[ أولئك الذين أشرقت عليهم بشعاع من حبك .. لم يحتملوا السكنى بين الناس ، بل ألقوا عنهم كل حب جسدانى وتغربوا عن كل شئ فى طلب الحبيب ..

نزعوا كل أفراحهم وذهبوا يلتمسون طريق الحبيب بدموع ، بكوا لما وجدوا أنفسهم فى الطريق غير مستأهلين لجمال المحبوب .. ساعة أن أدركوا شهوة الحب حب الوحيد ما صبروا أن يبقوا فى أفراح العالم لحظة ، ولما لم يجدوا عندهم شيئاً يليق بتقديمه إليك .. قدموا ذواتهم بالحب على مذبحك واسلموا أجسادهم حتى الموت .. فرحين إذ وجدوا شيئاً يقدمونه إليك ..
آه منك أيها الحبيب .. لقد سلبت منهم كل شئ .. ]
لذا فهذا السفر الجليل يدور حول هذا الحب المتبادل بين المسيح العريس ، والكنيسة أو النفس البشرية كعروس لهذا العريس السامى .. ولقد سار هذا الحب فى ثلاث مراحل .. يمكن على أساسها تقسيم هذا السفر إلى ثلاثة أقسام ، هى :

أولاً : لهفـــة الحـب الأول .
ثانياً : رباط الزيجـة الأكــمل .
ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل .

** أولاً : لهفة الحب الأول :
( نش 1 : 1 إلى 3 : 5 )

ونرى فى هذا الجزء :
1) أشواق العروس الملتهبة وتلهفها للعريس (1 : 1 ـ 8)
2) حضور العريس استجابة لأشواقها (1 : 9 ـ 2 : 7)
3) أغنيات العروس عن ذكريات حبها وامتزاجه بفتنة الربيع وبهجة المراعى .. (2 : 8 ـ 3 : 5)

** ثانياً : رباط الزيجة الأكمل :
( نش 3 : 6 إلى 5 : 1 )

ونرى فى هذا الجزء وصفاً بديعاً لحفلة العرس ، ومشاعر العروسين فيُصور لنا :
1) تخت [ موكب ] سليمان محاطاً بالحراس يتقدم نحو أورشليم ، وعلى رأس الملك تاج ساطع صنعته له أمه ليوم عرسه ، وهذه اللمحة الخاطفة توحى لنا بعظمة هذا العرس (نش 3 : 6 ـ 11)
2) أناشيد هيام متبادلة بين العريس والعروس (نش 4 : 1 ـ 5 : 1)

** ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل :
( نش 5 : 2 ـ 8 : 14)
فطالما أن الإنسان حبيس فى هذا الجسد، فهو معرض للأخطار ، وهذا ما حدث للعروس ، فقد تجمعت سحب الضعف الداكنة لتحجب حرارة شمس المحبة عنها ، لكنها لم تطق الإنفصال ، فهبت عائدة إلى أحضان عريسها ، وهى هنا تحكى لنا مرارة البعد عن أحضان العريس السماوى الدافئة ، ثم تعود لتشدو بلحن الرجوع واستئناف الحياة السعيدة مع عريسها ..

يا لروعة هذه العلاقة المجيدة التى ترفعنا من مزبلة الخطية لتمتعنا بالخطبة السماوية الروحانية لملك الملوك ورب الأرباب !!!

الإصحاحان الثانى والثالث من سفر النشيد

فى هذين الإصحاحين تتركز الحياة الروحية بأكملها ، فبينما يركز الإصحاح الثانى على عمل النعمة ، نجد أن الإصحاح الثالث يركز على الجهاد .. كذلك فى الإصحاح الثانى نرى الله وهو يبحث عن النفس ، بينما فى الإصحاح الثالث نرى النفس البشرية وهى تبحث عن الله ...

ونجد بحـث الله عن النفس البشرية واضحاً فى قوله : " قومى يا حبيبتى يا جميلتى وتعالى .. " (نش 2 : 10) ، بينما نجد بحث النفس البشرية عن الله فى قولها : " فـى الليل على فراشى طلبت من تحبه نفسى .. " (نش 3 : 1)

ومن خلال جناحى الجهاد والنعمة ، ترتفع الحياة الروحية إلى السماويات ، وتسمو محلقةً فى أجواء الحب السماوى العفيف ..

وبينما يتحارب أصحاب الأفكار المتطرفة بين طرف يؤمن أن أساس الحياة الروحية هو الجهاد فى أعمال بر الإنسان ، يقف طرفٌ آخر متنازعاً مركزاً على عمل نعمة الله ظناً منه أنه بها وحدها ينال خلاص الله له وغفرانه لخطاياه ... وبين هـذا وذاك تقــف كنيسـتنا القبطية الأرثوذكسية المجيدة وترى الأمر بفكرها الكتابى المستنير ، بنظرة متوازنة حكيمة أصيلة ، فترى الخلاص بكليهما معاً : النعمة والجهاد .. إنه الإيمان العامل ..

فالنعمة هى عطية الله المجانية للإنسان ، كما قال معلمنا بولس الرسول : " بالنعمة أنتم مخلصون .. بالإيمان ، وذلك ليس منكم ، هو عطية الله .. " (أف 2 : 8) ، والإنسان يحصل على النعمة من خلال أسرار الكنيسة التى هى قنوات مقدسة تجرى من خلالها نعمة الله للمؤمن ..

أما الجهاد فهو بذل الجهد والعمل من جانب الإنسان تجاوباً مع عمل نعمة الله لخلاص نفسه .. كما قال الرسول بولس لتلميذه الأسقف تيموثاوس : " جاهد جهاد الإيمان الحسن وامسك بالحياة الأبدية التى إليها دُعيت .. " (1تى 6 : 12)

والتوافق بين الجهاد والنعمة واضح فى مواضع عديدة من كلمة الله ، منها :

1) الانتصار على عماليق : فوقوف موسى النبى على رأس التلة رافعاً يديه ممسكاً بعصا الله التى هى مواعيده، هذا يمثل النعمة ، أما موقف يشوع فى الحرب المقدسة يمثل جهاد الإنسان فى مواجهة الشيطان والخطية (خر 17) ، لذا لا بد من اتحاد النعمة والجهاد للانتصار ..

2) الانتصار على جليات : فالنعمة واضحة فى قول داود لجليات العملاق : " أنا آتى إليك باسم رب الجنود .. هذا اليوم يحبسك الرب فى يدى فأقتلك .. " ، كذلك نرى الجهاد واضحاً فى أنه أمسك بالحصى وألقى بها على جبهة جليات ..(1صم 17)
3) إقامة لعازر : فالجهاد واضح فى رفع الحجر عن القبر ، والنعمة واضحة فى إقامة الرب للميت ، فلا يمكن أن يقوم الميت ما لم نرفع نحن الحجر (يو 11) .. فلا بد إذن من التحام عمل نعمة الله مع عمل الإنسان فى جهاده حتى يكمل العمل الروحى فى خلاص نفس الإنسان وانتصاره على الخطية وعلى الشيطان والموت ..

وفى هـذا الصـدد يقول القديس مار اسـحق السـريانى : [ بقدر ما يشقى الإنسان ويجاهد ويغصب نفسه من أجل الله ، بقدر ما تأتى إليه معونة الله وتحيط به وتسهل عليه جهاده وتصلح الطريق أمامه .. ]

من الرب نسأل أن يمتعنا ببركة دراسة هذا السفر دراسة عملية تطبيقية، حتى نتمتع بعريس النفس الغالى الرب يسوع المسيح ونحن فى غربة وبرية هذا العالم ببركة صلوات أمنا القديسة والدة الإله العذراء مريم ، وسائر آبائنا القديسين ، وبركة صلوات خليفة القديس مار مرقس الرسولى البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث .. أدام الرب حياته .. آمين .


عريس نفسى الغالى الرب يسوع المسيح ، أشكرك لأجل هذا السفر السماوى .. اسمح وأفـتح عيـنى لأرى عجـائب من شريعتك ، فيتلامس قلبى مع هذا الحب السماوى ويلتهب بحب من مات لأجلى ..
اسمح أن تدفعنى نعمتك فى طريق الجهاد الروحى ، فأتمتع بنعمتك التى تأتى بها إلىَّ من خلال وسائط نعمتك فى الكنيسة المقدسة فينجذب قلبى لقلبك بالحب فأتبعك عريساً لنفسى إلى أن ألقاك .. آمين ...
==================================

دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================

نرجــــس الـــــوادى
-----------------------

" أنا نرجس شارون سوسنة الأودية ..
كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات ..
كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين تحت ظله اشتهيت
أن أجلس وثمرته حلوة لحلقى .. " (نش 2 : 1 ـ 3)

نبدأ بنعمة الله فى الموضوع الأول من الإصحاح الثانى من سفر نشيد الأناشيد .. فبعـد أن جذب العريس عروسه الكنيسة المقدسة أو النفس البشرية ، نراه هنا يستكمل فرحه بهذه العروس المقدسة ، فيدخلا معاً فى رباط الحب السماوى الروحانى المقدس ، فيزدادا كلا منها حباً للآخر ، فيأخذ الحب جانباً إيجابياً ، يثمر تعلقاً مجيداً بين الحبيب الغالى ، وعروسه المحبوبة ، فيبحث كل منهما عن الآخر ولا يقبلا أى فتور فى علاقتهما ، بل يبغيان لهذه العلاقة كل نمو وإزدهار ..

وفى هذا الصدد نرى ثلاثة جوانب ، هى :
o زهـــرة يانــعـة .
o ثمـــرة مشـــبعة .
o جلســـة ممتـــعة .


أولاً : زهــرة يانـعة
يستهل العريس أحاديثه التى بدأها فى الإصحاح الأول ، فيقول: " أنا نرجس شارون .. سوسنة الأودية .. " والنرجس هو نبات أبيض أو أصفر رائحته زكية لا تمنعه الأشواك أو الصخور من النمو بينها .. كما أن وادى شارون هو مرعى خصيب ، زرعه ربانى طبيعى ، لا يزرعه بشر ، وهو زهرٌ فى غاية الاستقامة ..
كذلك يشبِّه العريس نفسه بأنه سوسنة الأودية .. والسوسن نبات ذو رائحة طيبة تعطر الجو المحيط به ، فهو عريس كالنرجس فى استقامته ، وكالسوسنة فى تأثيره على المحيطين به .. نعم ، لقد قال السيد عن نفسه: " أنا نـور العالم " ثم نراه يقول : " أنتم نـور العالم .. " فحين نفسح له المجال نراه يشع مع خلالنا فى ظلمة هذا العالم ..
ونرى فى هذه الزهرة :
1) زهرة فريدة 2) روائح جميلة 3) أوساط غريبة
1) زهرة فريدة :
فى هذا الاصحاح يبدأ العريس بأن يعلن عن نفسه بأنه نرجس شارون وسوسنة الأودية .. وسرعان ما يلتفت إلى عروسه فيصفها بأنها كالسوسنة بين الشوك ..
هكذا النفس البشرية ، حين تنظر إلى ذاتها نراها تعلن واقعها ، إذ تقول : " أنا سوداء .. " لكن حين ترى جمال الحبيب الذى يعكسه عليها ، تعود وتقول " أنا سوداء وجميلة .. "
فالمؤمن حين ينظر إلى خطاياه ، يجد نفسه كما رآها القديس بولس الرسول : " الخطاة الذين أولهم أنا " (1تى 1 : 15) ، وهكذا يجد نفسه واحداً عادياً ، ولقد رأى موسى النبى نفـس الواقـع فقـال للرب : " أليس بمسيرك معنا فنمتاز أنا وشعبك عن جميع الشعوب الذين على وجه الارض " (خر 33 : 16) .. وهكذا نرى أن ذواتنا دون المسيح كلا شئ ... لكن فى المسيح نرى أن استقامته تنطبع على حياتنا فيضفى جمالاً سماوياً علينا ، فنصير فى جمال القمر الذى يعكس ضوء الشمس .

2) روائح جميلة :
فبرغم وجود النفس البشرية فى وسط العالم ، إلا أن الرائحة التى تفيح منها هى فى الواقع رائحة سماوية .. رائحـة المسيح الذكية (2كو 2 : 15)... فبرغم أن المؤمن هو فى ذاته شخصاً عادياً ، إلا أنه يجب أن يختلف كل الاختلاف عن الأخرين .. ولقد أوضح شمشون هذا الأمر ثلاث مرات بقـوله : " إن حلقت تفارقني قوتي وأضعف وأصير كأحد الناس " (قض 16 : 17) .. وفى هذا اعترافاً ضمنياً بأنه ليس من الناس .. لذا قال الرب يسوع المسيح : " لانكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم " (يو 15 : 19) .. فالمسيحية هى الديانة التى تجعل المؤمن يعيش فى العالم ، ولا تسمح للعالم أن يعيش فى المؤمن .. تماماً كالمركب التى نراها فى البحر ، ولا نرى البحر فيها ..
لذا فى الموعظة على الجبل كرر الرب يسـوع كلمـة " وأما أنت " ثلاث مرات ، كما كررها الرسول بولس فى رسائله ست مرات .. فالمسيحية هى أن تحيا فى العالم ولا يحيا العالم بشروره وملذاته فى قلبك ..

3) أوساط غريبة :
برغم اختلاف الكنيسة عن كل ما حولها ، إلا أن الرب يسوع فى صلاته الشفاعية للأب صلى قائلاً : " لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير " (يو 17 : 15) .. فحين أعلن العريس عن نفسه أنه زهرة فريدة فى وسط أودية العالم ، عاد ليعلن عن عروسه أنها : " كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتى بين البنات .. " (نش 2 : 2) .

فروعة فرح المؤمن أنه وسط أشواك أحزان العالم ..
وجمال قداسته أن يكون وسط نجاسات البعيدين ..
وقوة احتماله بين أشواك تضجر الآخرين ..
وعمق محبته بين أشواك بغضة الحاقدين والمعاندين ..
وبهاء ضياء المسيح فى حياته وسط أشواك ظلمة الذين هم فى ظلال موت جالسين ..
وصلابة سلامه وسط اشواك قلق واضطراب المنزعجين ..
وسمو علاقته بالمسيح بينما الكثيرون بملذات العالم الفانية منهمكين .

يقول العلامة أوريجانوس :
[ إذ صار المسيح سوسنة الأودية إنما لكى تصير حبيبته أيضاً سوسنة تتمثل به .. بمعنى أن كل نفس تقترب إليه وتتبع خطواته وتتمثل به تصير سوسنة مثله ..]

أخى الحبيب ، هل تسير فى ركب العالم كواحد منه أم تدرك أنك مختلف عنه يجب أن تسلك كما قال معلمنا الرسول بولس : " لكى تكونوا بلا لوم وبسطاء أولاداً لله بلا عيب في وسط جيل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم " (فى 2 : 15) ؟؟

ثانياً : ثمــرة مشــبعة

كما أعلن العريس لعروسه أنها كالسوسنة بين الشوك ، كذلك نراها تبادله حباً بحب ، فتراه بنفس العين الممتلئة بالمحبة ، فتقول له : " كالتفاح بين شجر الوعر ، كذلك حبيبى بين البنين .. "
وشجرة التفاح : جميلة المنظر ، منعشة الرائحة ، طيبة الثمر ، لذيذة العصير ..
كذلك رأت العروس عريسها ، كشجرة التفاح المفرحة وسط اشجار وعر العالم المحزنة ... فهو عريسٌ كالتفاح :

1) مختلفٌ عن الآخرين : فهو التفاح وغيره الشوك .. لذا قال عنه الكتاب : " لأنه من فى السماء يعادل الرب من يشبه الرب بين أبناء الله " (مز 89 : 6) ، فهو الينبوع الحى ، وغيره آبار أبار مشققة لا تضبط ماء ..

2) بهجةُ قلبٍ للحزين : فالتفاح يرمز للبهجة والفرح كما قال عنه يوئيل النبى : " التفاحة .. كل اشجار الحقل يبست .. إنه قد يبست البهجة من بني البشر " (يوء 1 : 12) فمسكين هو الإنسان الذى يبحث عن اللذة والفرح والمتعة بعيداً عن فرح تفاحة المسيح التـى من يأخـذها ويأكل منها ، تكون له شبعاً قلبياً حقيقياً وفرحاً وبهجة لا تماثلها بهجة ..

3) رائحته عطرٌ ثمين : يقول سفر النشيد : " رائحة أنفك كالتفاح " (نش 7 : 8) ، فالمؤمن الذى يقضى كل صباح وقتاً مع المسيح فى الخلوة اليومية ، تنطـبع عليه رائحة المسيح الذكية ، فيعاف راوئح العالم الأخرى كالدخان وروائح الخطية بأنواعها ، ولا يقبل إلا رائحة المسيح التى تتعطر بها حياته ، فيشم العالم فيه رائحة مختلفة ..

4) كلماته كالشهد اللذيذ : تقول العـروس عـن عريسها : " حلقه حلاوة و كله مشتهيات هذا حبيبي و هذا خليلي يا بنات اورشليم .. " (نش 5 : 16) ، فلقد كانت كلماته بسلطان وليس كالكتبة .. نعم ، كان كاملاً فى حكمته وبلاغته وقدرته على المحاورة .. لذا قيل عنه : " لم يتكلم قط انسان هكذا مثل هذا الانسان " (يو 7 : 46)

5) حضنه واسع ظليل : فلا تخاف وأنت تحت ظله فمعه ستجد الحماية .. فتحت ظله لن تخشى من خوف الليل ، ولا من سهم يطير فى النهار ، ولا من وباء يسلك فى الدجى ولا من هلاك يفسد فى الظهيرة .. (مز 91)


ثالثاً : جلسة ممتعة

تقول العروس : " تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقى .. " .. نعم ، لقد صارت عشرة العريس هى شهوة قلبها ، وظلاله منتهى أمالها ، إذ وجدت فى ثمرته حلاوة الحلق وفى بهاء طلعته منية العين ، وفى جلسته راحة القلب ...
ليس كما كانت ثمرة معرفة الخير والشر فى الجنة ، التى قيل عنها : " فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل " (تك 3 : 6) .. فكان السقوط والعصيان والطرد ..
والنفس البشرية التى تدرك روعة عشرة الحبيب الغالى تصير هذه العشرة شهوتها .. فالحياة مع المسيح هى استبدال شهوة فانية بشهوة باقية .. شهوة جسدية بشهوة سماوية .. فيصير المسيح هو شهوة القلب الذى أجد حبه أطيب من خمر العالم الزائل وأفراحه الوقتيه ..
وما هى هذه الجلسة الهنية مع العريس إلا :

1) جلسة الخلوة اليومية :
وهى التى قال عنها داود النبى : " يا الله إلهي أنت إليك أبكر عطشت إليك نفسي يشتاق إليك جسدى فى أرض ناشفة ويابسة بلا ماء " (مز 63 : 1) ، فيجلس تحت ظل الكلمة المقدسة ليمارس الخلوة اليومية ، من خلال :

 تهيئة القلب : وذلك من خلال صلاة باكر وبعض الترانيم أو التسابيح حتى يتهيأ قلبه للدخول إلى حضرة الرب ليسمع صوته.
 سماع صوت الله : من خلال قراءة متأنية متسلسلة متتابعة لكلمة الله ، حتى تتواصل مفاعيل الكلمة ، ويحوِّلها إلى واقع عملى مقارناً حياته بما فى الكلمة من قامات روحية ..
 الحديث إلى الرب : وذلك من خلال مجاوبته على ما كلمك فيه ، ولكى تشركه فى كل ظروف حياتك ..

2) مذبح الصلاة العائلية :
كما قال يشوع : " أما أنا وبيتى فنعبد الرب " (يش 24 : 15) ، فلا يقبل المؤمن أن يجلس بمفرده تحت شجرة المسيح ليستظل بظله منفرداً ، بل يدعو شريكة حياته ، وأولاده حتى يشاركوه هذه المتعة ، وذلك من خلال الصلاة العائلية اليومية لنتأمل فى كلمة الله معاً كأسرة .. فتكون لنا بيوت صلاة .. بيوت طهارة .. بيوت بركة ..

3) شركة الأسرار المحيية :
وما أروع هذه الجلسة الهنية فى الكنيسة بيت الملائكة والقديسين .. ففيها تجرى قنوات النعمة المقدسة .. وسائط الخلاص ، فنأكل من جسد الرب ودمه غفراناً لخطايانا ، وثباتاً لقلوبنا وضماناً لأبديتنا .. كما يقول الأب الكاهن فى مقدمة الأواشى :
[ إجعلنا كلنا ياسيدنا مستحقين أن نتناول من قدساتك .. طهارة لأنفسنا واجسادنا وارواحنا ، لكى نكون جسداً واحداً وروحاً واحداً ونجد نصيباًَ وميراثاً مع جميع القديسين الذين أرضوك منذ البدء .. ]

أخى الحبيب .. هل أنت سوسنة بين الشوك ، يفيح منك عطر المسيح ، فتؤثر فى البعيدين ، ولا تتأثر بهم ؟
هل أنت تتعامل مع المسيح كالتفاح فى حلاوته وظلاله وأن كل ما غيره ما هو إلا شجر وعر ؟
هل لك جلسات تطيب بها نفسك مع الحبيب الغالى فى جلسة هنية تأكل من ثمرته فيشبع حلقك بكلمات الحكمة الخارجة من فمه ؟

سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك التفاح وسط أشجار وعر الحياة ، فأجد فيك راحتى وفرحتى وسعادتى ..
ما أحلى ثمرتك لحلقى ، فأنت حلو لى .. أحبك يا ظلى فى برية الحياة ، وشبعى فى جوع الأيام ، وسلامى فى تقلب الأحوال ، وأمانى فى مخاوف الظلام ونجاتى اليوم والغداة ..

اشبع قلبى بك فأكتفى بحلاوتك وبظلالك .. بشفاعة كل قديسيك الذين إمتلأت قلوبهم بالعشق المقدس لك واشتعلت حياتهم بلهيب محبتك .. آمين
** ترنيمة :
1) جلسة فى حضرة حبيبى أحلى من قصر الملوك
لو رأى المؤمن جمالـه لصرخ خذنى أرجـوك

قرار: مجده بهى حلوٌ شهى لا ينتهى يا هناى

2) هناك لا توجد خطــية لا عالم ولا شــيطان
نستريح فى الأبـــدية يا ما حلوة يا كنــعان
3) بالموسيقى استقبلــونى على رأسهم يســوع
وللمجــد أدخلـــونى حيث لا تُذرف دمـوع
4) دخلـــت باب المدينة يا ما حلوة أورشــليم
أنوار المسيح تســطـع فى وجــوه المفـديين
=================================

دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================

محــــبة شــديدة
-------------------

" ادخلني إلى بيت الخمر وعلمه فوقى محبة ..
اسندوني بأقراص الزبيب انعشوني بالتفاح فإنى مريضةٌ حباً .. "
(نش 2 : 4 ، 5)
نأتى إلى الموضوع الثانى فى الإصـحاح الثـانى من سـفر النشيد وفيه نغوص معاً إلى عمق جديد لمحبة قدمها العريس السماوى لعروسه ، فشبعت بهذه المحبة ، وبادلت الحبيب السماوى صدى حبه حباً ، كما قال الرسول يوحنا الحبيب : " نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً " (يو 4 : 19) ..
وحين تشبع النفس بمحبة محبوبها السماوى ، نراها ترفع راية تعلن بها خضوعها لقوانين الحب السماوى ، فتصير المحبة علماً ، بل وتصير جذراً متوطناً فى قلبها ، لا تقبل عنه بديلاً ..
ولنا فى محبة العروسين ثلاث كلمات :
دهــش وهــيام .
رايــة الســلام .
أعـذب الأســقام .


أولاً : دهـــــش وهــــيام

تقول عروس النشيد : " أدخلنى إلى بيت الخمر .. " ، والمعروف أن الخمر هى عصير الكرمة ، لذا فخمر المحبة الروحية لا تأتى إلا من الكـرمة التى هى الرب يسوع المسيح الذى قال عن نفسه : " أنا الكرمة وأنتم الأغصان " (يو 15 : 5)

1) خمر الجراح الشافية :
لقد تجلت محبة الحبيب ، حين أدخل محبوبته النفس البشرية إلى بيت الخمر .. وما بيت الخمر إلا صليب المسيح الذى فيه تجلت المحبة الإلهية ، كما قال الكتاب : " ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه " (يو15 : 13) إنه بيت الخمر الذى فيه سالت دماء قانية من جراح الحبيب ليدفع ثمن خطايانا ، ولم ينزل عن الصليب إلا بعد ان دفع الثمن كاملاً وقال : " قد أُكمل .. " (يو 19 : 30)
إنه بيت الخمر الذى دخل إليه اللص اليمين فدُهشَ وهامت روحه سابحة فى بحر حب من مات لأجله فصرخ قائلاً : " اذكرنى يا رب متى جئت فى ملكوتك .. " (لو 23 : 42) ..
وهو بيت الخمر الذى صبه السامرى الصالح على جراح الجريح الذى وقع بين اللصوص .. إذ صب على جراحه زيت وخمر حتى تتطهر جراحه وتُشفَى ..

2) دهش العقول الواعية :
نعم ، فالعقول التى تعى وتدرك بعضاً من محبة المحبوب فهى إذ تدخل بيت خمر محبته وترتوى من نبع محبته .. وقتها ستدهش ، بل وتهيم فى حب المحبوب .. وتستهين بالصعاب وتحتقر كل المعوقات لتقفز وتعانق محبوبها فترتبط به كل الأيام .. كما قال الرسول بولس : " فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا .. "(رو 8 : 38 ، 39)

3) رفض الملذات الواهية :
هنا نأتى إلى علامة المحبة الحقيقية للمسيح المحبوب .. فالمحبة ليست كلمات تُقال ، أو شعارات رنانة مدوية .. لكنها واقع حى عملى ملموس .. فالله حين أحب بيَّن محبته لنا .. إذ بذل أبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ..

بنفس الطريقة ، فحين نود أن نبادل هذا الحب بالحب ، فالوسيلة الأكيدة هى ان نرفض كل حب جسدانى ، ونسير فى طريق الحب مخصصين ومكرسين القلب .. كل القلب له .. لذا قال العبد العبرانى الذى قرر أن يقبل العبودية للسيد كل الحياة مفضلاً إياها على الحرية الزائفة بعيداً عنه : " أحب سيدى وإمراتى وأولادى لا أخرج حراً " (خر 21 : 5) .. فيأخذه سيده إلى الباب الذى يرمز إلى الصليب الخشبى ، ويثقب أذنه علامة تكريس قلبه بالحب لخدمة سيده ، وبيت سيده إلى الأبد

أخى الحبيب ، هل دخلت إلى بيت خمر المحبوب ، الذى يقع على رابية الجلجثة ، خارج المحلة .. هناك ستجد دماء سالت على الصليب من أجلى ومن أجلك ، فتتسأل مع الأب الكاهن فى القسمة المقدسة وتقول :

[ ما هذا أيها الفادى .. ما الذى جعلك ترضى بذلك ؟ أيهان العظيم ؟ أيذل الممجد؟ أيوضع المرتفع ؟ يا لعظـم حـبك !! نعم هو حبك العظيم الذى جعلك تقبل احتمال كل ذلك العذاب من أجلى .. ]

هل أخذت قراراً بتبعية المحبوب كل الأيام رافضاً كرامة العالم ومجده وملذاته الفانية ، مقرراً أن تتبع المسيح حاملاً الصليب ؟؟


ثانياً : رايــــــة الســــلام

حين دخلت العروس إلى بيت خمر محبة الفادى ، أدركت محبته ، وقبلت أن تسلك وتعيش بهذه المحبة .. معه ومع الآخرين .. وقالت : " علمه فوقى محبة .. " فالنفس التى تتمتع بمحبة المسيح ، ولا تملك إلا أن تحبه ، وتحب الجميع .. فنحن نحب لأننا لا نستطيع إلا أن نحب .. ولنا فى حياة القديس يوحنا الحبيب أروع المثل .. فإذ كان مكانه المفضل هو أن يتكئ على صدر المسيح ويتمتع بحنانه ، لذا فلقد تعلم المحبة الحقيقية، وصار رسول المحبة .. وأكثر من تكلم عنها ..

ومن الرائع أن المحبة التى هى أول ثمرة من ثمار الروح القدس فى (غل 5 : 22 ، 23) ، هذه المحبة عادة ما تكون ولوداً .. أى انها حين تملك على قلب المؤمن ، فإنها تأتى بالثمار الأخرى الباقية .. أى بالفرح والسلام .. طول الأناة واللطف والصلاح .. بالإيمان والوداعة والتعفف ... هذه جميعها تجدها فى القلب الذى شبع بمحبة الله ، فأنجبت هذه المحبة حباً للآخرين كما قال أحد رجال الله القديسين :
[ إن لم تستطع ان ترى المسيح فى الناس ، يمكنك أن تراهم فى المسيح .. ]
أى تراهم بعين المسيح المملوءة محبة ، وقتها تستطيع أن تحبهم .. أذ ستظللك مظلة محبة المسيح ، فتحميك من سهام الكراهية والبغضة وعدم القبول التى يحاول إبليس أن يلقيها إلى قلبك ...
ولقد جاءت كلمة " محبة " 90 مرة فى العهد الجديد .. فمن خلال محبة المسيح لنا وبواسطة صليبه عرفنا المحبة ، بل وصارت المحبة هى اسلوب تعاملنا مع الأخرين ، مهما أبدوا لنا من البغضة .. لذا من المستحيل أن نحب الله الذى لم نراه ونبغض الناس الذين خلقهم الله على صورته .. فالمحبة هى :

1) وصية المسيح الجديدة المتجددة : (يو 13 : 34)
2) دليل الانتقال من الموت إلى الحياة : (1يو 3 : 14)
3) العلامة الأكيدة للتمتع بمحبة المسيح : (1يو 3 : 16)
4) علامة ثبات المؤمن فى المسيح : (1يو 4 : 16)
5) الشرط الأساسى لنوال الحياة الأبدية : (1يو 3 : 15)

أخى الحبيب .. هل شبع قلبك بمحبة المسيح التى سكبها داخلك الروح القدس إذ دخلت مع المحبوب إلى بيت خمر محبته، ففاحت رائحة محبته داخلك ، وأنتجت حباً فى قلبك له وللأخرين ؟


ثالثاً : أعــذب الأســـقام

هنا أعلنت العروس عن أنها مريضة حباً .. وما أعذب هذا النوع من الأمراض، التى فيها يستعذب المريض مرضه ، ولا يقبل منه شفاء .. ودعنا هنا نفحص هذا النوع من الأمراض ، ولنطلق عليه مرض العشق الروحانى :
1) العوامل المساعدة على الإصابة بمرض العشق الروحانى :
 الدخول فى مجال الحب السماوى المقدس .. وذلك من خلال التعمق فى النظر لصلـيب الحـب والتفـرس فى جراح المحبوب ..
 التواجد فى جو روحى ملئ بالقديسين والمؤمنين الذين نالوا بركة الاصابة بهذا المرض المبارك .. فتحدث العدوى المباركة.

2) أعراض مرض العشق الروحانى :
 رغبة عارمة متأججة للجلوس أكبر وقت ممكن فى أحضان الحب السماوى الرب يسوع فى خلوة يومية أو أسبوعية مطولة بل وتزداد الرغبة فى زيادة هذه الخلوة ...
 تمتلئ العيون بدموع منهمرة أو قد ينالها نوع من الدهش السـماوى ، فتطيل النظر فى المحبوب الرب يسوع .. كداود .. " لكى أنظر إلى جمال الرب وأتفرس فى هيكله " (مز 27 : 4)
 يحدث بعدها نوع من إعادة تقييم الأشياء العالمية ، فتحسبها نفاية لكى تربح الحبيب الغالى كمعلمنا بولس الرسول الذى وجد المسيح كلؤلؤة واحدة كثيرة الثمن ، فمضى وباع كل ما كان لـه ليشـتريها .. (فى 3 : 8 ، مت 13 : 46)
 تحدث فى القلب رغبة عارمة لأن يصاب الجميع بهذا المرض المبارك ، نظراً لما تتمتع به النفس من بركات روحية وسمو فائق ، تريد عندها أن يتمتع الجميع بهذه البركات مثلك ..

3) الفحوصات المطلوبة للتأكد من الإصابة بمرض العشق الروحانى:
 الجلوس مع أب الإعتراف والمرشد الروحى ، حتى يساعدك على التعمق والسمو فى هذا العشق المبارك ..
 محاولة فحص النفس بصفة مستمرة ، وذلك من خلال مقاييس ثابتة ومعايير محددة تساعد على الاستمرار فى تأصل هذا الحب فى القلب ولتنقيته من أى شوائب تصيبه

4) وسائل العلاج من مرض العشق الروحانى :
غير مطلوبة على الإطلاق .. فهو أعذب الأسقام التى تصيب المؤمن ، والتى يجب عليه أن يطلب بالليل والنهار أن يديم الرب عليه هذه النعمة ويعمقها فى قلبه .. وذلك من خلال ما قالته عروس النشيد فى هذا الصدد :
 السندة بأقراص الزبيب : وهو العنب المتأصل على الكرمة .. الذى يرمز إلى تعاليم الكنيسة المقدسة التى فيها تتأصل حياة المؤمن فى الكرمة الحقيقية الرب يسوع فيزداد فرحاً به وعشقاً له ... كذلك مواصلة قراءة سير الآباء القديسين ، وهو ما تهتم به الكنيسة فى قداساتها إذ بعد قراءة الابركسيس الذى هو سفر أعمال الرسل ، تقرأ الكنيسة السنكسار الذى هو سير أبائنا القديسين حتى من خلالهما تشتعل قلوب المؤمنين حباً وعشقاً للمسيح .
 الإنعاش بالتفاح : وهو الذى يرمز إلى الجسد المقدس ، فهو سر انتعاش المؤمن الروحى ، فيشبع القلب حباً إذ يتناول من جسد المسيح ودمه ..

يقول العلامة أوريجانوس :
[ النفس التى تلتهب بالشوق نحو حكمة الله ، تقول بنفس الطريقة : إنى مجروحة بالحكمة ... والنفس التى تتأمل سمو قدرته ، وتدهش بقوة كلمته يمكنها أن تقول : إنى مجروحة بالقدرة ... والنفس التى تلتهب بحب عدالة الله وتتأمل عدل تدابير عنايته تقول بحق : إنى مجروحة بالعدل ... والنفس التى تتطلع إلى عظمة صلاحه وحنو محبته تنطق أيضاً بنفس الطريقة .. أما الجرح الذى يشمل هذه الأمور جميعها فهو جرح المحب الذى به تعلن العروس إنى مريضة حباً ... ]

أخى الحبيب .. ما أروع وأعذب هذا الحب المقدس الذى فيه تدرك النفس أنها صارت غير قادرة على مفارقة المحبوب لتبحث وترعى فى كرم غيره .. فبينما يتساءل الأخرون قائلين : كيف لا أفعل الشر ؟ يتساءل يوسف قائلاً : كيف أفعل الشر ؟ إنها المحبة الروحانية التى تأججت واشتعلت فى القلب فرفض العالم وملذاته وسعى فى طلب الحبيب بدموع .. فهل تأتى معى للحبيب الغالى لنقول له :

سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل بيت خمر محبتك الذى هو الكنيسة المقدسة التى فيها يرتفع علم محبتك فوقى فيصب الحب فى حياتى .. احبك وأحب من خلالك الآخرين .. بل أصير عاجزاً عن أن لا أحب ، مهما أبغضنى الناس ، ستظل أنت نبع محبتى الذى لا ينضب ..
تنازل ومتعنى بعشق أكثر لجلالك فأفضل الجلوس عند قدميك وتمضى الساعات وأنا لا ادرى عشقاً فيك .. واخدمك حباً لك فيصير حبك علماً فوقى
بشفاعة كل قديسيك الذين جملتهم بمحبتك وعشقك .. آمين
** ترنيمة :
1) القلب كان قـــاسى وفضلت أنا قاســى
ولما فـــاض كاسى بديت أعــيش وياك
قرار : وحدك يا يسـوع وليــس ســواك
أحــبك يا يســوع ولا حــدش ويـاك
2) مسحت لى دموعـى ضمدت لى جروحى
حــياتى وروحــى سابحة فىأعلى سماك
3) أنـــت اللى فديتنى فى همومى وعزيتنى
وبلمسة واحـدة شفيتنى وبنظرة سرت معاك
4) م الكســرة للنصـرة وزالت الحســـرة
وسعدت أنا بالحضـرة لما أتقــابلت معاك
5) دى نعــــمة غنية أعــددتـها لــىَّ
أعطيـــتها لى هدية لما مشــيت وياك

===============================


دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================


قمــة الحب السماوى
===============

" شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى ..
أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبايائل الحقول
ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء .. "
(نش 2 : 6 ، 7)

تواصل العروس انطلاقها فى مراحل متتابعة ونمو مستمر للحب السماوى الروحانى ، حتى نراها هنا تصل ونصل معها إلى قمة هذا الحب الروحانى المقدس ، ألا وهى مرحلة الإتحاد بالله والإلتصـاق به .. كما صلى الرب يسـوع للأب السـماوى قائـلاً : " ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فىَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا .. " (يو 17 : 21)
وأى نعمة وبركة وسمو أروع من إتحاد النفس الترابية بالعريس السماوى .. ليس فى اللاهوت .. حاشا ، بل تتحد معه بالحب فيجذبها من سقطاتها ويسمو بها محلقاً فى السماويات ..
ولنا فى هذه القمة المقدسة ثلاث نقاط جوهرية ، هى :
o أولاً : استجابة السماء .
o ثانياً : إلتصاق الأحباء .
o ثالثاً : نقـاء ورجـاء .

أولاً : استجابة السماء
ما أروع وأسرع استجابة الحبيب وهو يلبى طلب محبوبته .. فحين :
1) طلبت منه قائلة : " اجذبنى وراءك .. " فعلى الفور أتتها الاستجابة : " أدخلنى الملك إلى حجاله .. "
2) وحين طلبت : " تحت ظله اشتهيت أن أجلس .. " أستجاب على الفور وأدخلها إلى بيت الخمر ..
3) وهنا نراها وهو تطلب : " اسندونى بأقراص الزبيب وانعشونى بالتفاح " نرى الاستجابة الفورية فى قولها " شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى .. "

ما أجمل ما قاله الرب : " ويكون إنى قبلما يدعون أنا أجيب وفيما هم يتكلمون بعد أنا أسمع .. " (إش 65 : 24)

هذا هو حبيبنا العريس السماوى ، حين نطلب منه شيئاً ، تأتى الاستجابة فى صورة :
1) موافقة فورية : وهى التى وعد بها الرب بقوله " اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم " (مت 7 : 7) ، فحين يرى الرب صانع الخيرات أن ما نطلب هو حسب ارادته ولخيرنا ، فهو لا يتوانى أن يعمل رضى خائفيه .

2) رفض بالكلية : ولنـا فى طلب أم ابنى زبدى من الرب أن يسمح لابنيها بالجلوس عن يمينه ويساره فى ملكوته ، وقال لها : " أما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أُعد لهم من أبي .. " (متى 20 : 23) ، فهو كأب صالح لا يعطى أولاده ما يطلبونه ، بل ما يحتاجونه ..

3) توقيتات سماوية : هنا لا يوافق الرب على طلبتنا ، وهو فى نفس الوقت لا يرفض ، بل يهب لنا طلبتنا فى الوقت المناسب الذى يراه .. وأروع مثال لذلك هو حين ظنت أختا ليعازر أن الرب تأخر عن المجئ ليشفى أخاهما من مرضه ، لكنه أراد أن تظهر أعمال الله فيه فيقيمه من الموت بعد أربعة أيام .. لذا فإلهنا إله ملء الزمان In the proper time

نعم ، ما أروع ما قاله الكتاب : " صنع الكل حسنا في وقته " (جا 3 : 11)
أخى الحبيب ، هل تخضع لضابط الكل الرب إلهنا ، وتنتظر توقيتاته السماوية ، ولا تفقد ثقتك فيه ، فتوجه إليه صلاته وتنتظر واثقاً أنه قال : " أنا الرب في وقته أُسرع به " (إش 60 : 22) ؟

ثانياً : إلتصاق الأحباء
هنا أتت الاستجابة على الفور إذ طلبت العروس من عريسها أن يسندها ، فعلى الفور أتت شماله تحت رأسها ويمينه عانقتها ..
ويمكن أن نركز الحديث فى هذا الأمر فى ثلاث خطوات :

1) قوى فاصلة :
وما أكثر القوى التى تحاول أن تفصل النفس البشرية عن محبوبها العريس السماوى .. فبينما يدعونا الرب أن نصعد إلى بيت إيل لنتحد ونلتصق به ، يدعونا العالم بقوله : " يا رجل الله الملك يقول انزل " (2مل 1 : 9) ..
وقد تكون هذه القوى التى تحاول أن تفصلنا عن محبة العريس السماوى واحدة مما يلى :
1) شهوة الجسد : إذ تضيع شهوة الحب الإلهى السماوى أمام شهوات الجسد وملذاته من إفراط فى الأكل والشرب والملبس وغيرها التى هى إلى زوال ..
2) شهوة العيون : فالعين التى تجذبها مغريات العالم فتجده بهجة للعيون ، فعلى الفور يضيع من امام العيون جمال المحبوب السماوى ، وتنخدع بقشور جمال العالم الواهى ..
3) تعظم المعيشة : فإما أن نعبد ذواتنا وإما أن نعبد محبوبنا الرب يسوع .. فمحبة المال مثلاً قال عنها الكتاب أنها أصل لكل الشرور .. الذى إذا ابتغاه قوم .. ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة .. (1تى 6 : 10)
لكن الرسول بولس يؤكد قائلاً : " من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق أم إضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف"(رو8 : 35)

2) محبة واصلة :
هنا تأتى محبة المسيح التى تحتضن عروسه لتنتشلها من لجة بحر العالم ، فيمينه المقتدرة تعانقها ، وشماله المملؤة بالحنان تـأتى لتكون تحت رأسها ، وهى منبطحة فى أرض الملذات والشهوات لتكون فاصلاً بينها وبين محبة العالم ، فتشعر بإنتمائها إليه فتستوطن عنده وتتغرب عن العالم ، فلا يعد للعالم قدرة أن يغريها ببهجته، بل تبيع التراب لتقتنى الذهب الحقيقى وتقتنى العريس كلؤلؤة واحدة كثيرة الثمن .
لـذا فحـين عاد الإبن الضال إلى أحضان أبيه ، يقول الكتاب : " رأه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبَّله " (لو 15 : 20) ، فالعنق ترمز للمحبة التى تصل الرأس المسيح بالجسد الذى هو الكنيسة ، أو النفس البشرية .. لذا فالأب ركز على المحبة التى وصلت من جديد الإبن العائد بأبيه ..

3) وحدة حامية :
يقول الكتاب : " وأما من التصق بالرب فهو روح واحد " (1كو 6 : 17) .. فحين تنام أو تقوم .. تعمل أو تستريح .. فى الليل أو بالنهار .. لا تنسى شمال المسيح التى هى تحت رأسك فتحميها من القلق والإضطراب وتشويش العدو لأفكارك بعيداً عن سلام الله .. وكذلك يمينه التى تعانقك ، فتقدم لك حباً بديلاً سامياً مشبعاً به ترتفع فوق العالميات والفانيات فتشبع بالروحيات الباقيات ، فتلتصق بالمسيح ، وتصير روحاً واحداً معه .. ما أسمى هذه الوحدة التى تحمى من الخطية ..
لذا يقول القديس أغسطينوس :
[ أنت تحتضن وجودى برعايتك إياى رعاية كاملة دفعة واحدة ، وتحتضنى على الدوام ، كأنك لا تتطلع إلى آخر سواى ..
تسهر علىَّ ، وكأنك قد نسيت الخليقة كلها ..
تهبنى عطاياك ، وكأننى وحدى موضوع حبك .. ]

ثالثاً : نقــاء ورجـاء

هنا يأتى إصرار العروس على البقاء فى حضن العريس السماوى ، بلا انفصـال أو افتراق فتحلفن بنات أورشـليم بالظباء ، وهى نوع من الغزال ، وأيائل الحقل وهى نوع من التيوس الجبلية .. وهى حيوانات شديدة السرعة والقفز على الصخور ، وهى كثيرة الظمأ أثناء ركضها ، وإذا جاعت أو عطشت هزلت وضعفت قوتها .. لذا قال الكتاب : " حتى أن الأيلة أيضاً في الحقل ولدت وتُرِكَت لأنه لم يكن كلأ [ برسيم ].. " (إر 14 : 5) ..
كما أن الظباء والأيائل معروفة بأنها :

1) سريعة الهرب :
لذا قال الكتاب فى نبوة يشوع بن سيراخ : " لا تطلبه فإنه قد ابتعد و فرَّ كالظبي من الفخ " (سيراخ 27 : 22) ..
فالمؤمن يجب أن يتمتع بأقدام كالظباء فى شدة هربها من فخاخ العدو .. فحين تهاجمه الخطية ، يهرب كالظباء إلى أحضان الحبيب السماوى فيجد فيه الملجأ والملاذ .. لذا أتت وصية الهرب ستة مرات فى العهد الجديد وحده .. منها ما قاله معلمنا بولس الرسول لتلميذه الأسقف تيموثاوس : " وأما أنت يا انسان الله فاهرب من هذا واتبع البر والتقوى والايمان والمحبة والصبر والوداعة " (1تى 6 : 11)

2) عالية القفز :
فهى فى هربها تقفز مرتفعة عالياً ، مدركة أن سر سرعة هروبها يكمن فى القفز عالياً.. ونحن حين يهاجمنا العدو بسهامه الفتاكة ، لا مكان للنقاش أو للمجادلة معه ، بل يجب أن نقفز كالأيائل للعُلا محتمين بالمكتوب وبأحضان المسيح التى تحيط بنا على الدوام ...
وهذا هو ما عمله حبقوق حين مرَّ بظروف مُرة قاسية ، وفقد زهر التين وحمل الكروم وغنم المزود وبقر الحظيرة ، فإننا نراه يقفز إلى مخدعه فرحاً بنبع السرور والسعادة الحقيقى ، ويقول : " الرب السيد قوتي ويجعل قدميَّ كالأيائل [ فى قفزها ] ويمشيني على مرتفعاتي" (حب 3 : 19)

3) كثيرة العطش :
فالعروس هنا تدرك شدة ظمأها للحبيب الغالى الذى وجدت راحتها بين ذراعيه ، فهى تقرر ألا تنبهه حتى يشاء .. فالعشق الروحى المقدس ، ليس هو طفرة مؤقتة يصل إليها الإنسان المؤمن ، بل حالة مستمرة ، تنمو يوماً بعد الآخر ، فيها تزداد النفس البشرية عشقاً بعد عشقٍ ، فتجوع وتعطش للحبيب .. وكلما ارتوت منه زادت واتسعت تخومها ، فتعطش من جديد وتدخل من مجد إلى مجد ، كما من الرب الروح ..
لذا قال كاتب المزمور : " كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله " (مز 42 : 1) .. هكذا النفس التى تتذوق حلاوة العشرة مع الحبيب الغالى لا يمكنها أن تسلى أو تسأم منه ، بل تزداد أشواقها وتهيم مشاعرها نحو هذا الحبيب ، وبالتالى تزداد بهاءاً وجمالاً .. فكلمة ظبى فى العبرية معناها : [ جمال ] .. فالظباء معروفة بجمالها .. فالمسيح يهب جمالاً للنفس التى تتبعه وتسير فى خطاه ..

أخى الحبيب ، أين أنت من قمة الحب و من هذا العشق المقدس للرب يسوع المسيح حبيب النفس ؟ هل أنت سريع الخروج من مخدعك ، وقليل المكوث أمامه ؟ أم أنك تقضى الساعات ويمر الوقت دون عائق يعيق تمتعك به ؟ هل تجد فى بيته فى القداس الإلهى لذة السماء على الأرض .. فيمر الوقت دون أن تدرى ؟

إنها فرصة لتدخل إلى قمة الحب الإلهى هذه .. فقط اطلب منه أن يسكب حب عشرته فى قلبك ، فيتحقق فيك قول الكتاب : " حينئذ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الاخرس لأنه قد انفجرت في البرية مياه وأنهار في القفر " (إش 35 : 6)

سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل شمالك التى هى تحت رأسى ويمينك التى تعانقنى ..
اسمح اسكب فى قلبى حباً جديداً لجلالك ونقاءاً قلبياً به استطيع أن أعاين روعة حبك الذى هو أطيب من الخمر ...
هبنى أن أصلى ولا أمل ، وأتنقى بك فلا أزل .. واجد فى قربى منك كل الغنى والسلام والمنى .. فما أحلاك لى .. أحبك .. آمين ..
** ترنيمة :
1) ما لى ســواك ياسيدى حيــاتى رضاك ياسيدى
أنـــت متــــكلى تُطمـــئن نفـــسى
2) حلوٌ ما اشـهاك ياسيدى نفسـى لا تسلاك ياسيدى
تُفــــرح قلـــبى أنــرتَ لـى دربــى
3) حيــنما القاك يا سيدى عذبٌ ما أحـلاك يا سيدى
تُبــــددُ هــــمى تُفــــرجُ عــــنى
4) فى وسط الأشواك ياسيدى عيــناىَّ تراك يا سيدى
تضــــمدُ جــرحى تُجــــددُ فـــرحى
5) نفـسى فى حماك ياسيدى عيــنى لعلاك يا سيدى
قوتــــى حُــــبك صخـــرتى وعــدك
==================================

دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================

تجـــربة قاســية
--------------------

" صوت حبيبي هوذا آتٍ طافرا [ قافزاً عالياً ] على الجبال قافزاً على التلال حبيبي هو شبيه بالظبي أو بغُفر الأيائل [ أولاد الغزال ] هـوذا واقفٌ وراء حائطنا يتطلع من الكوى [ النوافذ الصغيرة ] يوصوص [ ينظر ] من الشبابيك .. أجاب حبيبي وقال لي قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي .. لأن الشتاء قد مضى والمطر مرَّ وزال .. الزهور ظهرت في الأرض .. بلغ أوان القضب [ تهذيب الأغصان ] وصوت اليمامة سُمِعَ في أرضنا التينة أخرجت فجها [ ثمرها غير الناضج ] وقعال الكروم [ براعمه المتفتحة ] تفيح رائحتها قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي يا حمامتي في محاجئ [ ملاجئ ] الصخر في ستر المعاقل [ مخبأ الطرق الجبلية ] أريني وجهك اسمعيني صوتك لأن صوتك لطيفٌ ووجهك جميلٌ خذوا لنا الثعالب الثعالب الصغار المفسدة الكروم لأن كرومـنا قد أقعلت [ بدأت زهورها فى التفتح ] .." (نش 2 : 8 - 15)
نأتى هنا إلى تجربة صعبة مريرة واجهت فيها العروس برودة الحب بعد حرارته ، وبُعد المحبوب ، بعد أن كان يحتضنها وشماله تحت رأسها ويمينه تعانقها .. فنراه واقفاً وراء حائط ضعف الجسد وتسرب الخطية ، فيأتى ليقرع محاولاً أن يدخل من جديد لتعود العروس بين أحضانه ليشبعها من محبته ، ويُخرج من حياتها الثعالب الصغيرة التى تسربت إلى كرم الحب والفرح ..
ولنا فى هذه التجربة القاسية ثلاث كلمات ، هى :
1) تسرب الخطــية .
2) برودة قلـــبية .
3) يقظـــة روحية .

أولاً : تسرب الخطية

بعد أن تحررت العروس من قيود الضعف ، وتمتعت بقمة الحب السماوى فى الموضوع السابق ، نراها تعود إلى الأركان الضعيفة كما قال الرسول بولس معاتباً : " وأما الآن إذ عَرفتم الله بل بالحري عُرِفتم من الله فكيف ترجعون أيضاً إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تُستعبدوا لها من جديد " (غل 4 : 9) .. وما هذه الأركان الضعيفة إلا الثعالب الصغيرة التى تفسد الكروم فيتسرب الفتور رويداً رويداً إلى قلب المؤمن ، فيفتر الحب فى قلبه .. فلكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين ..

واسمح لى أن أذكر بعضاً من هذه الثعالب الصغار :

1) ثعلب النظرات الخاطفة :
وهو الثعلب الذى حذرنا منه رب المجد فى موعظته على الجبل ، إذ قال : " كل من ينظر إلى امراة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه " (مت 5 : 28) ، فالبداية مجرد نظرة خاطفة غير بريئة ، والواقع أنها زنى فى عين السماء .. لذا فلقد أخذ أيوب عهداً بخصوص هذا الأمر ، قال فيه: " عهداً قطعت لعينى فكيف أتطلع في [ وليس إلى ] عذراء " (أى 31 : 1)

2) ثعلب الذات المتعالية :
وهو الثعلب الذى يتسلل إلى النفس ، فيشعر الإنسان فى قلبه أنه أفضل من الجميع .. فى قدراته ، وفى إمكانياته ، وفى نسبه ، وفى حكمته .. وقد يؤذى هذا الثعلب حتى الخادم فى خدمته .. فيتصور أنه لولا صلاته أو خدمته لما تاب أحد وما نمت الكنيسة .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " لا شيئاً بتحزب أو بعُجب [ أى بإعجاب بالنفس ] ، بل بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم " (فى 2 : 3)

3) ثعلب الشفاه المتسيبة :
نعم ، فكما يقولون أن معظم النار من مستصغر الشرر كذلك كم من بيوت قد خربتها وأفسدتها هذه الثعالب الصغيرة .. فبسبب كلمة غير منضبطة قد تتحطم العلاقات وتُزرع الخصومات .. فكلمة مقولة فى لحظة قد تحتاج إلى سنوات لإصلاح ما أفسدته هذه الكلمة .. لذا قال الكتاب : " كثرة الكلام لا تخلو من معصية .. أما الضابط شفتيه فعاقل " (أم 10 : 19) ، بـل أن رب المجد يسوع حذرنا من هذا الثعلب إذ قال : " أقول لكم أن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين .. لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تُـدان .. " (مت 12 : 36 ، 37)

أما الشفاه المقدسة ، فتكون كما يلى :
1) تكتم أسرار الغير فلا تفرق بين الأحباء (أم 17 : 9)
2) تتكلم بكلام الرب وتنطق بأقواله (عدد 23 : 5)
3) تنضبط عن الغضب والكلام غير المقدس (أف 4 : 29)
4) تمجد الله وتخبر بأعماله وتسابيحه (رو 15 : 6)
5) لا تتكلم إلا بعد أن تستشير الرب فيما تقول (نح 2 : 4)
6) تنضبط عن كلام الإدانة أو السفاهة والهزل (أف 5 : 4)

4) ثعلب الأذان المتنجسة :
وهى مدخل الجسد التى تدخل من خلالها أحاديث العالم بنجاساته فتـجد هـوى غير مقدس فى النفس وتلقى تجاوباً نجساً .. أما الأذن المقدسة فهى التى :
 تسمع القول فتمتحنه : " لأن الأذان تمتحن الأقوال " (أى 34 : 3)
 تواظب على سماع صوت الرب فى الخلوة اليومية (إش 50 : 4 ، 5)
 تدربت على تمييز صوت الرب عن صوت الغريب (يو 10 : 5)
 تسرع للإستماع فيبطئ الفم فى التكلم والقلب فى الغضب (يع1 : 19)
 يصيبها الصمم الروحى تجاه نداءات العدو للسقوط وتجاه معايرات الأشرار كشاول (1صم 10 : 27)
 تسمع تعمل لإرشادات أب الأعتراف وللمرشدين (عب13: 17)

يقول القديس مرقس الناسك :
[ يقدم لنا الشيطان خطايا صغيرة ، تبدو كأنها تافهة فى أعيننا ، لأنه بغير هذا لا يقدر أن يقودنا إلى الخطايا الكبيرة .. ]

أخى الحبيب ، افحص ذاتك .. ابحث عن سر فتورك .. عن الثعلب الذى دخل ويدخل إلى كرم حياتك فيدمر كرومها التى بـدأت فى الإزهار ثم الإثمار .. وصـلى مع الأب الكاهن قائـلاً : [ وكل فكرٍ لا يُرضى صلاحك يا الله محب البشر فليُبعد عنا .. ]


ثانياً : بـــرودة قلــبية
هـنا نرى العريس السماوى الرب يسوع يقول للعروس: " قومى يا حبيبتي يا جميلتى وتعالى لأن الشتاء قد مضى والمطر مرَّ وزالَّ .. " .. وهو هنا يشجع النفس البشرية على القيام من البرودة الروحية .. فالشتاء هو فصل البرد إذ تتساقط الأمطار وتهيج العواصف والرياح .. والمؤمن الذى تتسرب إلى قلبه الخطية وتخترق حياته فهـو فى الواقع يعانى برودة العلاقة والعشرة مع العريس السماوى .. فهو :
1) يصلى ولا يشعر بإستجابة لصلواته (مز 66 : 18)
2) يقرأ فى الكتاب المقدس فتكون كقراءة الجرائد بلا تلامس حقيقى مع الكلمة (يو 6 : 63)
3) يذهب إلى الكنيسة فيرى الناس دون التمتع بالذبيح السماوى الموجود على المذبح هناك (تك 28 : 17)
4) يسمع العظات فيقف عند حد المعرفة أو التسلية بلا تجاوب عملى وخطوات واضحة فى طريق التوبة ..
5) له المحبة الشكلية أو النفعية كمحبة الواجب ، وليس المحبة المضحية الباذلة من اجل الله ومن أجل الآخرين
6) تتفشى فى حياته الخطايا السرية غير الظاهرة ، وحين يشتكى عليه ضميره لا يتوب عنها ، بل يخدر ضميره بأنه أفضل من كثيرين ..
7) يـدفعه الآخـرون إلى الخدمة ، فيتأثر ويقول : هانذا أرسل أخى ..

إنها البرودة الروحية التى تنتج من السماح للثعالب الصغار أن تأتى وتفسد التكييف السماوى الذى يشعل ويدفئ القلب بفعل روح الله النارى . لذا نرى الرسول بولس وهو يحذر تلميذه تيموثاوس قائلاً : " فلهذا السبب أذكِّرك أن تضرم أيضاً موهبة الله التي فيك بوضع يدي " (2 تي 1 : 6)

لذا يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :
[ كما تحتاج النار إلى وقود ، هكذا تتطلب النعمة نشاطنا لكى تكون دائمة الحرارة .. ففى مقدورنا أن نلهب النعمة أو نطفئها .. فبالخمول والاهمال تنطفئ ، وبالسهر والاجتهاد تبقى حية .. حقاً إن الموهبة فيك ، فلتلهبها أى إملأها ثقة وفرحاً وبهجة .. وكن رجلاً .. ]


أخى .. ثق حبيبى أن الشمس خلف الغيمة .. فهل تعلم أن حرارة محبة المسيح أقوى من برودة الخطية والفتور الروحى .. فقط ثق أن الشتاء قد مر وفات .. وجاهد جهاد الإيمان الحسن ..

ثالثاً : يقـــظة روحـــية

خرجت العروس من هذه التجربة الفاشلة بشئٍ بهيجٍ ، فبعد البرودة الروحية ، جاءت اليقظة .. نعم فالله في وسطها فلن تتزعزع يعينها الله عند اقبال الصبح (مز 46 : 5) فالله لا يمكن أن يترك أولاده يتمادون فى الشر ، بل يجتذبهم بحبال البشر بربط المحبة (هو 11 : 4) ...


1) يقظة مبادرة :
إذ تقول العروس عن عريسها السماوى : " هوذا واقف وراء حائطنا يتطلع من الكوى يوصوص من الشبابيك .. " إن هذه اليقظة المباركة حدثت فى قلب العروس بعد برودة الخطية ، ذلك لأن الحبيب وقف قارعاً على باب القلب ، وقال : " هنذا واقفٌ على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي " (رؤ 3 : 20) .. فهى مبادرة حُبية من المسيح لنفتح حياتنا له ونقول له هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس إيها الصالح وخلص نفوسنا ..

يقول الأب الكاهن فى القسمة المقدسة :
[ صحت خلفى قائلاً : تعال واقترب منى لكى تتبرر من خطاياك .. ها قد أتيت يا سيدى قارعاً باب تعطفك .. ]

2) يقظة مسرعة :
فهى تسرع لأحضان الحبيب الغالى ، لأنها رأته آتٍ طافراً على الجبال قافزاً على التلال .. فهو يسرع لنجاتنا من براثن الخطية ومن حبالها ..
فحين جاء الله إلى أبوينا الأولين آدم وحواء ليطردهما من الجنة، يقول الكتاب أنه جاء : " ماشياً .. " (تك 3 : 8) ، لكن حين قرر الأبن الضال العودة إلى أحضان أبيه تائباً نادماً ، يقول الكتاب : " إذ كان لم يزل بعيداً رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله " (لو 15 : 20) .. فالعروس تسرع تائبة ، والعريس يسرع صافحاً ..

3) يقظة مشجعة :
يا لروعة كلمات المسيح المشجعة للعروس ، فهو يقول لها : " قومى يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي لأن الشتاء قد مضى والمطر مرَّ وزال ، الزهور ظهرت في الارض بلغ أوان القضب وصوت اليمامة سُمِعَ في أرضنا .. "
أىُ جمالٍ هذا الذى رأه العريس فى عروسه ؟ إنه جمال المسيح الذى عكسه عليها فصارت جميلة كالقمر .. فهو يشجعها أن تعود من جديد إلى أحضانه .. فيقول :

1) لقد مضى شتاء الخطية ، ووحل الضعف قد ولىَّ ، وجاء وقت الربيع ..
2) تفتحت زهور الحب فى قلب العروس من جديد ..
3) بلغ وقت تهذيب السلوك بعمل روح الله فى القلب ..
4) ها هو صوت اليمامة متمثلاً فى الآباء الكهنة والخدام بدأ يُسمع من جديد فتأتى الكلمة بالثمار المطلوبة من توبة وصحوة قلبية حقيقية ..
5) كما أن التينة بدأت فى الإثمار .. كما قال معلمنا بولس الرسول عن انسيمس اللص الذى تاب ، وصار خادماً مساعداً له : " كان قبلا غير نافع لك ولكنه الآن نافع لك ولي " (فل 1 : 11) ..
6) وقعال الكروم تفيح رائحتها .. إنها رائحة الفرح التى تفيح من القلب الذى سكنه منبع السرور وواهب السلام الرب يسوع ، الذى فى حضرته يهرب الحزن والتنهد ..

4) يقظة حامية :
فالأمر لا يتعلق ببداية ، وينتهى الأمر عند هذا الحد ، بل إننا نرى العريس يؤكد حمايته لهذه البداية ، فيقول : " يا حمامتي في محاجئ الصخر في ستر المعاقل .. " فهى وإن كانت كالحمامة فى وداعتها ، إلا أنها ساكنة فى الصخرة التى هى المسيح .. لذا قال سليمان الحكيم : " الوبار طائفة ضعيفة ولكنها تضع بيوتها في الصخر " (أم 30 : 26)

لذا نقول فى ترنيمة " يا سائح للقاء يسوع " :
يا وديعـة المســيح يا سـاكنة وسـط الصـخور
لا تخافى من خطــر حاميــكى صخــر الدهور

إن كان الأمر كذلك فى هذه اليقظة ، إذ " قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور " (رو 13 : 12) .. ولنسـمع قـوله المـبارك : " اريني وجهك .. اسمعيني صوتك لأن صوتك لطيف ووجهك جميل " (نش 2 : 14) .. فندخل إلى حجاله فى خلوة مباركة ، لنعود نتمتع بشماله التى تحت رؤوسنا ويمينه التى تعانقنا .. له المجد فى كنيسته إلى الأبد آمين ..
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك برغم برودة محبتى لك ، وبرغم شتاء الخطية وهطيل الأمطار الثلجية على حياتى ، برغم كل هذا فانت تبحث عنى مشجعاً ومحفزاً على العودة لأحضانك من جديد ..
ها قد أتيت يا سيدى قارعاً باب تعطفك .. سأعود لك فتسمع وأقول مع كاتب المزمور : " في يوم دعوتك اجبتني شجعتني قوة في نفسي " (مز 138 : 3)
بشفاعة كل من ساروا على دربك المقدس .. آمين
** ترنيمة :
1) مـــرةً تهـت بعيداً عـن مخلصى يســـوع
فأتــــانى من فدانى ودعـــانى للرجــوع
قرار : صوته الحلو نادانى لا تطــيلن الضـــلال
أسرعن يا بُنىَّ وتعال لى تعال
2) أرجلى أدمت بشــوكٍ لــم أرَ لـــه مثــيل
بينــما الصوت ينادى قد ضـــللت فى المسير
3) إلا أنى لم أبُــــالى أبـــداً بــــذا الكلام
بل غدوت فى ضــلالِ مستـــهيناً بـــالآلام
4) بعد ذا تناهى حــزنى من جــرى ذاك الضلال
بمـــرارةٍ نـاديت : يا مخلصـى تــــعال
5) بغـــتةً رأيت نـوراً فى طريــقى قــد بهر
بيـــنما الفادى المحب بتبســـمٍ ظـــــهر
=================================

دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================

حبيــــبى لـــىَّ
--------------------

" حبيبي ليَّ وأنا له الراعي بين السوسن ..
إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ..
ارجع واشبه يا حبيبي الظبي أو غُفر الأيائل [ ولد الغزال ]
على الجبال المشعبة [ جبال الأطياب ] .. "
(نش 2 : 16 ، 17)

بعد أن اجتازت العروس تجربة الفتور التى تعرفنا عليها فى الموضوع السابق ، وتجدد كالنسر شبابها ، وعاد من جديد ربيع علاقتها مع المسيح .. نراها هنا وقد عاد شبابها الروحى الى قمة السمو الروحى ، فتتغنى بهذه الكلمات التى تعبِّر عما تهيم بها روحها شوقاً وعشقاً للحبيب الغالى الذى افتداها واشتراها لنفسه كنيسة مجيدة ...
ولنا فى الحب المقدس ثلاث كلمات ، هى :
1) أبلــغ مـــا يُقال .
2) انهـــزام الظـلال .
3) عودة علــى الجبال .
أولاً : أبلغ ما يُقال


يقولون أن خير الكلام هو ما قل ودل .. ولقد لخصت العروس محبتها لعريسها بقولها : " حبيبى لىَّ , وأنا له .. الراعى بين السوسن.." ونجد فيها :

1) علاقة خصوصية :
لاحظ قول العروس : " حبيبى " ، حبيبٌ خاصٌ بها ، فهى لم تقل " حبيبنا .. " .. كما قال داود النبى : " الرب راعىَّ " فالواقع أن من يتبع هذا العريس السماوى ، يشعر بأنه صار حبيباً خاصاً به ، لا يشاركه فيه أحد .. إنها العلاقة التى كان يلذ للقديس يوحنا الحبيب أن يسمى نفسه بها ، ولقد ذكرها ست مرات وذلك بقوله : " وكان متكئاً في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه .. " (يو 13 : 23) ، وكأن المسيح قد نسى بقية التلاميذ وصار يوحنا وحده موضوع حب الحبيب .. كما يقول القديس أغسطينوس : [ أراك ناظراً نحوى دائماً ، حتى كأنه لا يوجد فى السماء ولا على الأرض خليقة غيرى .. تسهر علىَّ وكأنك قد نسيت الخليقة كلها .. تهبنى عطاياك ، وكأنى وحدى موضوع حبك .. ]
لذا فالمسـيح يعرف خرافه الخاصة بأسـمائها .. كما يقول : " دعوتك باسمك انت لي .. " (إش 43 : 1)

أخى ، هل صار المسيح عريساً خاصاً لك ، تكلمه فى أى وقت وتشاركه فى كل ظرف ، وتقول له : لا أعرف آخر سواك ؟ أنت لى وأنا لك ..

2) معرفة أزلية :
هذا العريس لا تبدأ علاقته بعروسه منذ أن قبلته عريساً لها ، ولا منذ أن كانت طفلة يعرفها أبواها ، ولا حتى عرفها بعد أن خلقها ووضعها فى بطن أمها .. لا بل يقول الكتاب : " قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك " (إر 1 : 5) ، ويؤكد نفس المعنى معلمنا بولس الرسول بقوله : " الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الازمنة الأزلية " (2تي 1 : 9) ..

فإن كنا نقيس العلاقة بطولها ، فعلاقتنا مع الحبيب السماوى أزلية .. وإن كنا نقيسها بعمقها ، فهى أعمق من المحيطات نابعة من قلب به محبة فائقة المعرفة .. وإن كنا نقيس المحبة بقيمتها وتكلفتها ، فلقد كلفت المسيح دمه الذى سفكه على الصليب مهراً مقدساً طاهراً ذكياً .. لكـي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب .. (أف 5 : 27)

3) محبة تبادلية :
إن سر الحب الموجود فى قلب العروس يكمن فى إدراكها أن حبيبها لها ، فما كان منها إلا أن بادلته الحب بالحب ، كما قال معلمنا يوحنا الحبيب : " نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً " (1يو 4 : 19) ، فبالتالى لم تستطع أن تسكت أمام هذا الحب الجارف .. فالنفس التى انفتحت عيناها على هذا الحب السامى لا تملك إلا أن تبادل حب المسيح بحب أخر من الأعماق يعكس هذا الحب .. فيقول القلب : حبيبى لىَّ وأنا له ..

4) قرارات تكريسية :
ما أروع هذا القرار الذى اتخذته العروس أمام حب العريس إذ قالت : " أنا له .. الراعى بين السـوسن .. " وهو نفس القرار الذى كان يتخذه العبد العبرانى أمام محبة سيده إذ يقول : " أحب سيدي وإمراتي وأولادي لا أخرج حراً " (خر 21 : 5) ، فهو يفضل العبودية لسيده عن الحرية بعيداً عن سيده .. وهنا ترى العروس عريسها راعياً صالحاً بين السوسن الذى هو نبات ينمو فى المراعى له رائحة عطرة تعطر الجو المحيط به حتى أن الله قال : " أكون لإسرائيل كالندى يزهر كالسوسن ويضرب أصوله كلبنان .. " (هو 14 : 5) .. والسوسن هو جماعة القديسين فى الكنيسة المقدسة الذين يرعى المسيح حياتى بينهم .. فهو الراعى بين السوسن ، وليس بين الشوك ..
أخى الحبيب ، إن كان المسيح قد خصص نفسه لأجلك ، ألا ينبغى انت ان تخصص نفسك وذاتك .. كل ما تملك وما يدك تمسك به .. فتقول له :
لك أنا بجملتى .. لك أنا ولغيرك لن أكون ..


ثانياً : انهزام الظلال

تقول العروس : " إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال .." فما أكثر الظلال التى تاتى على المؤمن لتعيقه من الرؤية الواضحة .. لذا فالعروس تريد أن شمس المسيح المشرقة تشع فى حياتها فتبدد الظلال فترى جمال الحبيب بوضوح ..
هل تذكر أن موسى كان يرفع البرقع وهو فى حضرة الله ففى حضرته تنكشف الظلال (خر 34 : 34) .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " و نحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة [ فى ترجمة أخرى : بوجوه كالمرأة لا حجاب عليها ] " (2كو 3 : 18)
أما الظلال التى تعيق رؤية المحبوب ، فقد تكون ظلال الذات والكبرياء ، ظلال النجاسة والشهوات ، أو ظلال المادة والملذات .. نريد أن يهزمها المسيح فى حياتنا ، كما هزم قوى الظلمة على الصليب ، وأمات الموت الذى أمات الجميع .. فنصلى مع الأب الكاهن فى القداس الغريغورى ونقول : [ الحاجز المتوسط نقضته ، والعداوة القديمة هدمتها .. ]
أيها القارئ الحبيب ، انزع البرقع فى حضرة العريس الغالى فكل شئ مكشوف وعريان أمامه .. اطلب منه أن يشرق بنوره فى ظلمة حياتك ، فالنور أضاء فى الظلمة ، والظلمة لم تدركه .. أى لن تستطيع أن تقوى عليه .. ليكن تركيزك أن يشع نور الحب المقدس فى قلبك ، وقتها ستهرب الخطية كالحشرات التى تهرب بمجرد أن يضئ النور ..



تختم العروس حديثها فى هذا الإصحاح الثانى بقولها : ارجع واشبه يا حبيبي الظبي أو غفر الايائل على الجبال المشعبة وهى تعنى جانبين :

ثالثاً : عودة على الجبال
1) عودة للشركة الحُبية :
فهى تطلب منه أن يعود إليها فى شركة حُبية مقدسة ، فبعد أن أخرج من قلبها الثعالب التى أفسدت كرومها ، تحتاج إليه أن يعود ظافراً منتصراً على الجبال المشعبة ، أى التى تمتلئ بالطرق والمسالك ، وفيها يجد الإنسان نفسه فى مفترق طرق حائراً اى الطرق يسلك .. وهنا ياتى الحبيب مرشداً ويقول : " أعلمك وأرشدك الطريق التي تسلكها أنصحك عيني عليك " (مز 32 : 8)
لذا فإن كانت شركتك مع المسيح قد قطعتها المشغوليات أو نزعتها ملذات العالم ومباهجه .. اسرع واطلب منه أن يأتى على جبال التكاسل والتراخى ، ليعود إليك كالظبى فى سرعته فيطأ مرتفعاتك ويسحق الشيطان تحت قدميك سريعاً ..

2) عودة للأمجاد الأبدية :
وهى تعنى عودته لإختطافها إلى المجد فى الأبدية الهنية .. هذا هو مشتهى كل عروس أن يأتى زمان الزفاف إلى بيت عريسها السماوى حتى حيث يكون هو تكون معه أيضاً .. وقتها تنقشع غيوم الغربة ، حيث يشرق شمس البر بنوره الذى يضئ الأبدية .. فكما صعد يوم صعوده بالجسد إلى السماء من على جبل الزيتون ، سيأتى هكذا أيضاً فى مجد وبهاء ليخطف عروسه إلى بيت الآب .. لذا فالكنيسة تعلمنا أن نختم قانون الإيمان بقولنا : [ وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى .. آمين .. ]
نعم إنها الكنيسة المنتظرة مجئ عريسها على جبال المجد والبهاء ، لذا فالعهد الجديد ينتهى بالقول : " نعم أنا آتي سريعاً .. آمين تعـال أيها الرب يسوع .. نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم .. آمين ..


سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك الراعى بين السوسن وليس بين الأشواك .. يا من وهبتنى ذاتك أنا لك ولن أكون لغيرك ، ففيك وجدت راحتى وفرحتى وسعادتى ..
اسرع إلىَّ فوق جبال الشك موقناً، وفوق جبال الخوف مطمئناً ، وفوق جبال الخطية مقدساً ومطهراً .. إلى أن تأتى وتأخذنى ، انعم لى بسلامك إلى التمام .. بشفاعة كل قديسيك .. آمين
** ترنيمة :

1) يا سـيدى إمـلأ قلبى بالحـبِ لشخصك
حقق لى ذا المطــلبَ واسكبه بروحـك
دعنى أرنمُ ترنيمة الحبِ يشدو بها قــلبى
هبنى أقولها أحـــبك
2) سلمـــــتك سيدى قلــبى والكـيان
لك روحــى جسـدى لك طـول الزمان
فكرى كذا والقلب أحفظهما لك لمجــد اسمك
افعل بى ما تشاء أنـــا لك
3) وإلى أن تعــــود هبنى أن أســهر
بـــدُفِ وبعــود بإســـمك أخبر
آمين تعال يا يسـوع طالت غربتنا زادت أشواقنا
تاقت قلوبنا لذا اللـــقاء
==================================


دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================

كيف تستفيد من هذه الدراسة التطبيقية ؟
---------------------------------------
الفتــــور الروحـــى



" في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي طلبته فما وجدته .. إني اقوم وأطوف في المدينة في الأسواق وفي الشوارع أطلب من تحبه نفسي طلبته فما وجدته .. وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي فما جاوزتهم إلا قليلاً حتى وجدت من تحبه نفسي .. فأمسكته ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمي وحجرة من حـبلت بي .. أحلـفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبايائل الحقل ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء .. " (نش 3 : 1 - 5 )

بعد أن انتهى الإصحاح الثانى الذى تركزت الأحاديث فيه ، كما قلنا قبلاً عن بحث الله عن الإنسان وعن عمل النعمة فى القلب .. تعود العروس من جديد هنا فى الإصحاح الثالث لتتحدث ، لكننا نرى أحاديثها وقد تركزت على وجه العملة الآخر .. ألا وهو بحث النفس البشرية عن الله ، وذلك بالجهاد الروحى .. فالحياة الروحية هى جهاد تؤازره نعمة ، أو نعمة تعين جهاد المؤمن لتخلصه ..
ولقد مرت العروس بمرحلة جفاف روحى إذ طلبت من الحبيب أن يُخرج لها الثعالب الصغار المفسدة للكروم .. وإنتهت هذه المرحـلة عندما قالت : " حبيبى لىَّ وأنا له .. الراعى بين السوسن .."

وما لبثت أن عادت من جديد فى إنحدار آخر ، لا فى حالة جفاف بل فى حالة فتور روحى .. وهى مرحلة أصعب من مرحلة الجفاف الروحى .. فالفتور الروحى هو عملية إنحلال قلبى وضياع لا تجد فيه النفس عريسها الرب يسوع المسيح .. فتقول : " بالليل على فراشى طلبت من تحبه نفسى .. طلبته فما وجدته .. " فهى مرحلة فتور ونوم وكسل وتراخى يمر بها جميع الذين لم يبدأوا بعد فى طريق التوبة ، كما قد يعانى منها بعض الذين بدأوا .. إذ يمرون بليل الخطية ويشتاقون إلى فجر جديد تشرق فيه شمس البر والشفاء فى أجنحتها فيقومون من فتورهم وتكاسلهم ..

ولنا فى حالة الفتور الروحى هذه ثلاث كلمات ، فنجد :

1) قـــلبٌ غـافـل .
2) سعىٌ باطــــل .
3) حــبٌ عــامـل .


أولاً : قلــب غـــافل
وهى أولى خطوات الفتور ، إذ يبدأ فى القلب بالغفلة والنعاس الروحى ، فهى تقول: " فى الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي طلبته فما وجدته .. " فلم تعد فى بيت خمر محبة الفادى ، بل تركت الأحضان السماوية التى كانت تعانقها وفى ليل التهاون والتكاسل وجدت نفسها بلا حبيب ، فلقد ضاع من أمام عينيها وجود عريسها .. لذا قال الكتاب : " وفيما الناس نيام جاء عدوه وزرع زواناً في وسط الحنطة ومضى " (مت 13 : 25) فالمشكلة تكمن فى نوم صاحب الحقل ، وليس فى وجود عدو ..
وقد تدخل الغفلة إلى قلب الإنسان من عدة مداخل أهمها :

1) الشعور بالذات والاعتماد على النفس والإكتفاء بماضى مجيد فى خدمة أو حياة مقدسة .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً ولكني أسعى لعلي أُدرك الذي لأجـله أدركني أيضاً المسيح يسوع " (في 3 : 12)
2) وقت الفراغ الذى فيه يشفق الإنسان على نفسه فيتكاسل ويهمل قداسته كما فعل داود النبى ، فبرغم أنه وقت الحرب إلا أنه تكاسل ، كما قال الكتاب : " وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح إمرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جداً " (2صم 11 : 2) فأخذها وزنى معها ثم قتل .. وتوالى السقوط ..
3) البيئة الروحية غير المقدسة التى يتواجد فيها المؤمن فيتأثر بمن هم حوله ، ولا يؤثر هو فيهم .. فتكون النتيجة أنه يتكاسل ويترك جهاده فيضيع فى تيارهم .. لذا قال الكتاب : " لا تضلوا فإن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة " (1كو 15 : 33) ، كما يحذرنا قائلاً : "ولا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحري وبخوها .. " (أف 5 : 11)
4) إهمال وزنة الوقت متناسياً أننى سأعطى حساباً عنها يوم الدين .. فكل يوم يقدم الرب شيكاً قيمته 24 ساعة فهل أستثمر هذا الوقت أم أضيعه فأقع فى الدينونة .. لذا قال الرب يسوع : " أليست ساعات النهار اثنتي عشرة إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور هذا العالم " (يو 11 : 9)
5) إهمال التواجد مع جماعة المؤمنين فى الكنيسة ، بما فى ذلـك مـن فقـد لبركات كثيرة .. لذا قال الكتاب : " وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة وإذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب " (أع 2 : 46)
6) الإستسلام للكسل وعدم أخذ قرار صارم مع النفس لتقوم وتثابر مجاهدة ضد الخطية .. لذا قال الكتاب : " غير متكاسلين في الاجتهاد حارين في الروح عابدين الرب " (رو 12 : 11)
لذا فالكنيسة تعلمنا فى تحليل الآباء الكهنة بعد صلاة نصف الليل فنقول : [ نجنا وأحفظنا وأسترنا وانهضنا من الملل والضجر والتوانى والكسل .. ولا تدع العدو الشيطان يطغينا بواسع الأمل ، بل نبه عقولنا وايقظ قلوبنا من نوم الغفلة وتسويف العمر باطلاً .. ]

أيها القارئ الحبيب ، هل تعيش فى نهار كامل أم فى ليل مظلم ؟ هل فى نشاط كامل أم فى تكاسل وخمول .. ؟

هل تمارس أمورك العالمية بنشاط ، وتتكاسل فى حياتك مع الله ولا تسمع لصوته الخفيف ، ولا يشغلك إلا صوت العالم بضجيجه وإلحاحاته ؟
إن كان فى حياتك منفذ من هذه المنافذ تسرب منه الكسل والغفلة إلى حياتك .. إنها فرصة اليوم لتقوم وتبنى أسوار حياتك المنهدمة ولا تكون بعد عاراً .. فرصة لنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور .. نعم ، قم من الأموات فيضئ لك المسيح ..
ثانياً : ســـعىٌ باطـــلٌ

أخيراً استيقظت العروس لتبحث عن حبيبها ، لكن للأسف بحثت عنه فى أماكن لا يمكن لها أن تجده فيها إذ بحثت عنه فى المدينة فى الأسواق فى الشوارع ، فكان سعيها سعياً باطلاً .. ووصلت إلى الحقيقة المُرة : فما وجدته .. فالبعض يبحثون عن السعادة فى المراكز ، ويتوهمون الفرح فى الحفلات والملذات والموديلات ، ويفتشون عن الراحة فى المال أو فى الجنس أو فى تمجيد الذات أو فى سيجارة أو فى كاس أو فى مسلسل .. فى الشوارع وفى النواصى أو فى الأماكن غير المقدسة .. والرب يعاتب هؤلاء قائلاً : " لأن شعبي عمل شرين تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لانفسهم آباراً آباراً مشققة لا تضبط ماء " (إر 2 : 13)
والواقع أن الأمر فى منتهى الوضوح ، إذ قال الكتاب : " لا يجتنون من الشوك تيناً ولا يقطفون من العليق عنباً " (لو 6 : 44) فكيف لبضاعة إبليس القتال أن تهب حياة ؟ وكيف لمسلسلات العالم أن تهب حرية ؟ وكيف لسراب الخطية أن يهب ارتواءاً ؟
قال أحد اساتذة الجامعة المشهورين ذات يوم : [ لم اكتف بصنع الشر فى بلادى ، بل هاجرت إلى بلاد أوروبية لأمارس الفسق على أوسع نطاق .. عشت فى الخطية بالطول والعرض وكنت أبحث فيها عن السعادة واللذة ، فما وجدتها .. إنها لذة وقتية .. فكنت أضحك ضحكات وقتية من فمى وليس من قلبى .. وأخيراً تعرّف على مصدر السلام والسعادة .. إذ وهو جالس فى حديقة سمع صوتاً يقول له : افتح واقرأ فى الكتاب المقدس .. ففتح ووجد الكلمات : " هذا وإنكم عارفون الوقت إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور .. لنسلك بلياقة كما في النهار لا بالبطر والسكر لا بالمضاجع والعهر لا بالخصام و الحسد .. " (رو 13 : 11 ـ 13) فعلى الفور قام من غفلته وعاد إلى أحضان من كان يحبه وهو يبحث عنه بعيداً بعيداً فترك النجاسة إذ كان له إبن فى الحرام من الزنى .. ويسجل سعادته بلقاء المسيح وفتح قلبه له فيقول : [ كنت أبحث عنك فى أشياء خارج عنى فلم أجدك .. وأخيراً هنا وجدتك وفى قلبى أمسكتك .. ] ما أروع هذه البداية التى بدأها هذا الاستاذ الجامعى .. أتعرف من هو ؟ إنه القديس أغسطينوس .. الذى سجل هذا الكلام فى كتاب اعترافات اغسطينوس .. لقد كان استاذاً فى الفلسفة والبيان فى جامعات فينا ..

أخى المحبوب .. كفاك سعياً باطلاً عن السعادة .. كفاك نقراً فى الصخر لتبحث عن المياه .. بل افتح القلب لنبع الشبع والارتواء فتجد فيه السلام والراحة الحقيقية فتبتهج بفرحٍ ولا ينزع أحد فرحك منك ..

ثالثاً : حبٌ عامل

تقول عروس النشيد : " وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي فما جاوزتهم إلا قليلاً حتى وجدت من تحبه نفسي فأمسكته ولم أُرخه حتى أدخلته بيت أمي وحجرة من حَبُلَت بي.."
وما الحرس الطائف إلا المرشدين الروحيين الذين يرشدون الإنسان إلى المسيح .. لكن ما أخطر أن يقف الإنسان عند مرحلة التعلق بالمرشد الروحى ولا يصل إلى المسيح .. فالعروس تقول : ما جاوزتهم إلا قليلاً .. فلقد تجاوزت مرحلة العيان لتتعامل مع الحبيب الغالى على مستوى الإيمان .. فالمرشد الروحى هو صوت صارخ فى البرية .. أعدوا طريق الرب .. وهو بذلك يوصلك إلى المسيح ..
وما أجمل هذه العبارة التى تكررت 5 مرات فى سفر النشيد .. وهى عبارة " من تحبه نفسى .. " وإذ ترى النفس البشرية حبيبها الغالى الذى أسلم نفسه لأجلها ، فعلى الفور تمسكه بيدها ولا ترخه ..
لقد ذهبت مريم المجدلية تبحث عن جسد المسيح لتضع الحنوط عليه لتطيبه .. فلاقاها هو بنفسه .. وظنت أنه البستانى لكنه نادها بإسمها قائلاً : يا مريم .. فعلى الفور عرفته مريم وقالت له يا معلم .. لذا فالنفس التى تبحث عن المحبوب لا بد أن يأتى ويُظهر لها ذاته بل يدخل إليها ويتعشى معها وهى معه ..
إنها المحبة التى تغيِّر القلب بل وتضئ الحياة .. فبعد الظلام يأتى النور ، وبعد الفتور تأتى الجدية والنشاط فى الحياة الروحية .. إنه الحب العامل المغيِّر الذى يحرر المقيدين ويفك الماسورين ويطلق ويخلص الذين فى الشدائد ..
لذا فالقديس الأنبا أنطونيوس حين وجد العريس السماوى ، وجده لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن ، فعلى الفور قرر أن يمسك به ولا يرخيه ، بل وقرر أن لا يشغله شئ أو شخص عن التمتع بالمحبوب .. فترك الكل وانحل من الكل ليتحد بالواحد الكثير الثمن .. وهكذا سار على نفس الدرب كل آبائنا القديسين .. سواء كانوا رهباناً أو علمانيين .. بتوليين أو متزوجين ..

أخيراً .. أدركت العروس أنه لا مكان يمكن أن تتمتع بالحبيب ولا يفصلها أحد عنه .. فقررت إلا أن تدخل به إلى بيت أمها , وحجرة من حبلت بها .. ومن هى هذه الأم إلا الكنيسة المقدسة التى حبلت بنا ونحن اطفال فى المعمودية .. فصار الله أباً لنا وصارت الكنيسة أما حنوناً نفرح بالقائلين لنا إلى بيت الرب نذهب .. فالكنيسة هى عمود الحق وقاعدته (1تي 3 : 15)

ففى الكنيسة تتجدد النفس بفعل أسرارها التى هى قنوات مقدسة تجرى من خلالها عمل نعمة المسيح إلى القلب .. فيخلص المؤمن ويدخل ويخرج ويجد مرعى .. فتتمتع بالمسيح فى الكنيسة وتخرج إلى العالم لتخبرهم بجمال المحبوب فيأتون إليه ليتمتعوا معها به ..

أخى الحبيب .. هل لك الأشواق المقدسة للعريس السماوى التى تذيب ثلوج الخطية من القلب ، وتضئ ظلمات الضعف والكسل والتراخى فتأخذ حبيبك السماوى وتدخل به إلى الكنيسة لتأكل جسده وتشرب دمه .. وتبقى فى حضنه حتى يشأ فى خلوة حب مقدسة وترفض الفتور وتقوم من غفلة النوم وتقول له فى قطع صلاة النوم :
هوذا أنا عتيد أن أقف امام الديان العادل مرعوباً ومرتعداً من كثرة ذنوبى ، لأن العمر المنقضى فى الملاهى يستوجب الدينونة .. لكن توبى يا نفسى ما دمت فى الأرض ساكنة ، لأن التراب فى القبر لا يُسبح ، وليس فى الموت من يذكر ، ولا فى الجحيم من يشكر ..
بل إنهضى من رقاد الكسل وتضرعى إلى المخلص بالتوبة قائلة : اللهم ارحمنى وخلصنى ..
** ترنيمة :
1) يا سـيدى الحبـــيب يا نــــور عمـــرى
آتـى إليـك يـا ربـى فانهـــضــــــنى
آتى إليك بكل ضعــفى اسمع صراخى واشف نفسى
محـــتاجٌ إليك يا ربى انهضـــــنى يا يسوع
قرار : مشــتاق لعملك فىَّ محــــتاج للمسة قوية
انهضــنى يا يســوع انهــضنى يا يســـوع
2) بحبك العجيب إلهب قلبى فأُشبع قلبك بصدق حــبى
تعال برعش فىكل عظامى روحك يملأ كل كـــيانى
تعـال وبدد كل احــزانى انهضــــــنى يايسوع

=================================


دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================

الطالعة من البرية
----------------------


" من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان ..
معطرة بالمر واللبان وبكل أذرة [ مسحوق عطرى ] التاجر... "
(نش 3 : 6)
" من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها "
( نش 8 : 5)

هذه هى المرة الأولى فى الإصحاح الثالث التى يتكلم فيها ملائكة السماء كأصدقاء العريس مترنمين منشدين للعروس القائمة مع عريسها قائلين : من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها .. فبعد أن دخلت بالعريس إلى بيت أمها فى الكنيسة المقدسة وتمتعت بحبه وارتوت بحنانه .. فإذ بالملائكة يروها طالعة من برية العالم وصاعدة إلى العُلا كأعمدة دخان .. تماما كما قال الرسول بولس : " وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع " (أف 2 : 6) .. فبرغم أنها لازالت على الأرض تجاهد ، إلا أن مقامها وعنوانها صارا فى السماويات ..
لذا قال القديس يوحنا ذهبى الفم : [ نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضى ، نصعد الآن إلى ملكوت السموات ، وندخل السموات ، ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهى .. ]

ولنا فى هذه الطالعة من البرية ، كلمات ثلاثة .. هى :
1) عروس من البرية .
2) نقــاوة داخـلية .
3) معــونة إلهـية .
أولاً : عروس من البريـة


يقول الرب يسوع مخاطباً عروسه فى سفر هوشع : " لكن هانذا أتملقها وأذهب بها إلى البرية وألاطفها .. " (هو 2 : 14) وما هذه الغربة الذى نحياها إلا برية قاحلة يابسة تسير فيها العروس مستندة على حبيبها .. فيراها ملائكة السماء إذ قد خطبها العريس السـماوى وسـار بها فى دروب البريـة فيتعجَبون بل ويَعجَبون به

أحدث الموضوعات

From Coptic Books

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة من 10/2010