الصليب مجد وفرح للأب متى المسكين


 
كيف يكون الصليب، وهو رمز الظلم والعذاب والعار، مصدر مجد وفرح؟ أليس هذا أمراً غير معقول؟ وأليس كل ما هو غير معقول جهالة؟

نعم، ولذلك يلزمنا أن نصير جهلاء لنتذوَّق فرح الصليب ويحلَّ علينا مجده، ولكن جهلاء فيما يخص الظلم والعذاب والعار، أي نتجاهلها إلى حين ليحلَّ علينا فرح الصليب ومجده، وكيف نتجاهل الظلم والعذاب والعار؟

كثيرون يفرحون بالصليب، صليب المسيح، لأن عليه تألَّم المسيح ومات وبآلامه وموته نلنا الفداء، وفي الفداء أعظم فرح لأنه عتقنا من موت أبدي. لقد فدانا المسيح من الآلام ومن الموت في معنيهما الروحي والأبدي، لأن المسيح روح أبدي فصار فرح الفداء روحياً وأبدياً أيضاً.

ولكن مجرد فرحي بآلام غيري وبموت غيري جمود وسلبية مطلقة. فرح مثل هذا ليس هو تجاهُلاً للظلم والعذاب، بل تجاهلٌ للمسيح. إن سرَّ المسيح الأعظم هو أنَّ المسيح لا يُمثِّل "آخر" بالنسبة لي، بل يمثِّلني أنا نفسي بلحمي وعظمي وروحي وكل ما فيَّ وما عليَّ.

الله ظل بالنسبة للإنسان "آخر" تماماً، هو من طبيعة وأنا من طبيعة أخرى، هو لا يُمثِّلني أبداً وأنا لا أُمثِّله أبداً، إلى أن تجسَّد المسيح ابن الله في طبيعتي فصار يمثِّلني تماماً لدى الآب، وصرتُ عندما يحلُّ روحه في داخلي أُمثِّله تماماً لدى كل الذين لم يعرفوه بعد. صار هو أمام الآب كخاطئ يطلب برَّ الله لأجلي، وصرتُ أنا بروحه الأزلي أتراءى لدى الآب كأني هو، كأني بار، كأني ابن «وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد» (عب 2: 10).

إذن، فهل يمكن أن يصبح صليب المسيح، أي تصبح آلامه وموته، مصدر فرح لي ومجد دون أن تكون هي آلامي وموتي وأكون شريكاً؟ هذا أمرٌ مُحال لأن كل ما للمسيح صار لي، صليبه ومجده وفرحه وألمه معاً. إذن، فكيف أتألم معه لأفرح معه وأتمجَّد معه؟

مِن على المنبر يمكن أن نصل بالسامعين إلى شركة آلام المسيح، وشركة مجد المسيح، وشركة كل شيء بغاية السهولة بالكلام والعواطف؛ بل حتى يمكننا أن نقنع السامعين أنهم صاروا أطهاراً ومبرَّرين، بالكلام أيضاً؛ بل وندعوهم للفرح والمجد وكأن الفرح فكرة، مجرد فكرة، والمجد بالإقناع مجرد إقناع. ويكفي أن يقول الواعظ بعد ذلك: هلليلويا! ليرقص السامعون ويفرحوا بصليب المسيح!!! ولكن حينما يدخل الصليب حياتنا بالفعل يبطل الرقص ويتوقَّف الهتاف وينسدُّ الفم عن هلليلويا، ويقف الإنسان يطلب بإلحاح أن يُرفع عنه الصليب. ثم إذ يتباطأ الله يبتدئ التذمُّر وتبدأ المحاجاة مع الله والعتاب ثم الخصام ثم الجفاء، وأخيراً يُسدل الستار عن قصة غرام مع الله قصيرة انتهت بمأساة وقطيعة.

هذا مدخل للفرح الروحي وهمي وخاطئ جدّ الخطأ، وتعرُّف على الصليب من خلال الألفاظ والمعاني وليس على أساس الواقع والحق.

فما هو المدخل الصادق للفرح الصادق؟ وما هو الصليب الواقعي؟

- حينما يقع علينا ظلم مكشوف وفاضح،

فهذا هو المسيح يتعرَّى استعداداً للصليب!

- حينما يَدُقُّ الحزن والألم باب حياتنا،

فهذا هو المسيح يُرفَع على الصليب!

- حينما تقع الخسارة وتدخل التجربة أعماقنا،

فهذا هو المسيح تُدَقُّ يداه ورجلاه على الصليب!

- حينما يُطوَّح بكرامتنا إلى الطين ونفقد كل شيء،

فهذا هو المسيح يُنكِّس الرأس ويُسلِم الروح!

إذن، فليست هناك حدود تفصل صليبـي عن صليب المسيح. إن تجربتي مُعادة، تمَّت أولاً على صليب المسيح بنجاح، واليوم يُراد تجديدها لحسابي.

+++

ثلاث مراحل يجوزها صليبـي ليتحوَّل إلى فرح المسيح:

المرحلة الأولى: الرضا:

إن كنتُ حقّاً أومن بالله، وأومن بأن الله قادر على كل شيء، وهو ضابط الكل؛ فعليَّ أن أُسلِّم له حياتي، عالماً بمَن آمنتُ، واثقاً بالأذرع الأبدية القادرة أن تحفظ وديعتي وتُقيمني من الموت.

بهذا الإيمان وبهذه الثقة يسهل عليَّ الرضا بصليبـي أيـّاً كان هذا الصليب: مرض عضال! شوكة في جسدي أو جسد مَن أَحبَّته نفسي! خيانة أخ وصديق كان حبيب نفسي وأليف حياتي! خسارة وفقر مُذِل! ظلم واضطهاد وطغيان! مذمَّة واغتياب ومخاصمة الألسن! سيَّان، سيَّان، هو صليب على كل حال!

فإن كانت عيني قد تثبَّتت على مسيح حياتي، ورسمت صليبه وآلامه في قلبي وفي جسدي فسأرضَى، نعم سأرضَى بصليبـي لأنه سيكون في نظري تجربة مُعادة.

ولكن بمجرد أن أرضى بصليبـي فإن الله يحاول أن يستوثق من رضائي أو بالحري يجعلني أستوثق أنا بنفسي من رضائي فيثقِّل يده عليَّ قليلاً، ويطيل زمن التجربة قليلاً، حتى أستوثق أنا من رضا نفسي، وبالتالي يستوثق هو أيضاً من نفسي. وهنا، نعم هنا، يتم سرُّ الصليب الأول عندما يتحوَّل الرضا إلى شُكر بفعل النعمة، ويصير الشكر هبة ثمينة شبه معجزة، لأن الشكر إنما يكون عادةً قرين الخير فقط. إذن، فهنا يكون الشر قد تحوَّل إلى خير لي بفعل الصليب وبقوة الرضا.

المرحلة الثانية: تجربة الشكر:

بعد غمرة الانذهال من نوال القدرة على الشكر في وسط الألم وعمق التجربة، يستيقظ الإنسان فجأة متعجِّباً من نفسه: "كيف أشكر وأنا مُهان"؟ "ولماذا أشكر والله قادر أن يرفع التجربة، وهو لم يرفعها"؟ هنا تدخل النفس في عِراك مع الموهبة ويصطرع الشكر مع الألم. ولكن عندما يُكرِم الإنسانُ الموهبةَ ويشكر، ثم يشكر متحدِّياً الألم والتجربة على مدى الأيام والليالي، تحدث المعجزة الثانية ويتم سرُّ الصليب الثاني، عندما يتحوَّل الشكر إلى فرح!! كهبة عُظمى من الله!

المرحلة الثالثة: معنى الفرح:

ماذا حدث؟ كيف أفرح بالحرمان والظلم؟ كيف أفرح وأنا في أتون التجربة وسعير الألم؟ إن الفرح هو البرهان الأكيد على خروج النفس من مجال الحزن وتوقُّف التفكير في هموم الواقع المؤلم توقُّفاً كاملاً وأكيداً. فكيف حدث هذا الخروج الفعلي من مجال التجربة؛ بل كيف تمَّ تجاهُل الألم والظلم وأنا في صميم التجربة مرفوعاً على صليبـي؟؟

هنا سرُّ الصليب الثالث. هنا سرُّ الاتحاد! الاتحاد بماذا؟ الاتحاد بمشيئة الله ومسرَّته!! لقد كان صليبـي هو هو مشيئة الله بالنسبة لي، فلما رضيتُ به، رضيتُ بمشيئة الله؛ ولما شكرتُ عليه، شكرتُ مشيئته، ففاضت عليَّ. ولكن لما فرحتُ بصليبـي، تقابلتْ مشيئتي مع مشيئة الله تماماً، فحلَّ عليَّ مجد الصليب وفرحه الذي هو منتهى مسرَّة الله: «كما اشتركتم في آلام المسيح، افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مُبتهجين» (1بط 4: 13).

يا إخوة، افرحوا بصليبكم لتحلَّ عليكم مسرَّة الله



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

أحدث الموضوعات

From Coptic Books

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة من 10/2010